الشنقيطي
394
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الاختصاص بأمته ؛ وليس مفهوم لقب ؛ لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه اللّه به من التفضيل على غيره من الرسل . والحديث المذكور وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة . ولم يزل علماء الأمة قديما وحديثا يتلقونه بالقبول . ومن الأدلة على ذلك حديث طارق بن شهاب المشهور في الذي دخل النار في ذباب قربه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذبابا قتلوه . فدل ذلك على أن الذي قربه مكره ؛ لأنه لو لم يقرب لقتلوه كما قتلوا صاحبه ، ومع هذا دخل النار فلم يكن إكراهه عذرا . ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى عن أصحاب الكهف : إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) [ الكهف : 20 ] فقوله : يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ دليل على الإكراه ، وقوله : وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) دليل على عدم العذر بذلك الإكراه ؛ كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع . واعلم أن في شرعنا ما يدل على نوع من التكليف بذلك في الجملة ، كقوله تعالى : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ النساء : 92 ] الآية . فتحرير الرقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ . والكفارة تشعر بوجود الذنب في الجملة ؛ كما يشير إلى ذلك قوله في كفارة القتل خطأ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 92 ) [ النساء : 92 ] فجعل صوم الشهرين بدلا من العتق عند العجز عنه . وقوله بعد ذلك تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ يدل على أن اللّه هناك مؤاخذه في الجملة بذلك الخطأ ، مع قوله : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ [ الأحزاب : 5 ] وما قدمنا من حديث مسلم : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قرأ لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] قال اللّه نعم قد فعلت ، فالمؤاخذة التي هي الإثم مرفوعة والكفارة المذكورة . قال بعض أهل العلم : هي بسبب التقصير في التحفظ والحذر من وقوع الخطأ والنسيان ، واللّه جل وعلا أعلم . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) [ طه : 121 ] هو ونحوه من الآيات مستند من قال من أهل الأصول بعدم عصمة الأنبياء من الصغائر التي لا تتعلق بالتبليغ ؛ لأنهم يتداركونها بالتوبة والإنابة إلى اللّه حتى تصير كأنها لم تكن . واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ . واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافا مشهورا معروفا في الأصول . ولا شك أنهم صلوات اللّه عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى اللّه حتى يبلغوا بذلك درجة أعلا من درجة من لم يقع منه ذلك ؛ كما قال هنا : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) [ طه : 121 ] ثم أتبع ذلك بقوله : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 ) [ طه : 122 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( 115 ) يدل على أن أبانا آدم عليه