الشنقيطي

395

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من الرسل الذين قال اللّه فيهم فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] وهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : هم جميع الرسل . وعن ابن عباس وقتادة وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( 115 ) أي لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزام الأمر « 1 » . وأقوال العلماء راجعة إلى هذا ، والوجود في قوله : لَمْ نَجِدْ قال أبو حبان في البحر : يجوز أن يكون بمعنى العلم ، ومفعولاه لَهُ عَزْماً وأن يكون نقيض العدم ؛ كأنه قال : وعند مناله عزما - ا ه منه . والأول أظهر ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى ( 116 ) [ 116 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى . أي أبى أن يسجد ؛ فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا الاستكبار . وذكر عنه الإباء أيضا في « الحجر » في قوله : إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 ) [ الحجر : 31 ] . وقوله في آية « الحجر » هذه أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 ) يبين معمول « أبى » المحذوف في آية « طه » هذه التي هي قوله إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أي أبي أن يكون مع الساجدين ، كما صرح به في « الحجر » وكما أشار إلى ذلك في « الأعراف » في قوله : إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 ) [ الأعراف : 11 ] وذكر عنه في سورة « ص » الاستكبار وحده في قوله : إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 74 ) [ ص : 74 ] ، وذكر عنه الإباء والاستكبار معا في سورة « البقرة » في قوله : إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) [ البقرة : 34 ] . وقد بينا في سورة « البقرة » سبب استكباره في زعمه وأدلة بطلان شبهته في زعمه المذكور . وقد بينها في سورة « الكهف » كلام العلماء فيه ؛ هل أصله ملك من الملائكة أولا ؟ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ صرح في غير هذا الموضع أن السجود المذكور سجده الملائكة كلهم أجمعون لا بعضهم ، وذلك في قوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 ) إِلَّا إِبْلِيسَ [ الحجر : 30 - 31 ] الآية . قوله تعالى : فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ( 117 ) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 ) [ 117 - 119 ] . قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ قد قدمنا الآيات الموضحة له في « الكهف » فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقوله في هذه الآية الكريمة : فَتَشْقى أي فتتعب في طلب المعيشة بالكد

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 161 .