الشنقيطي

393

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الظَّالِمِينَ ( 19 ) [ الأعراف : 19 ] . وقوله تعالى : فَنَسِيَ فيه للعلماء وجهان معروفان : أحدهما - أن المراد بالنسيان الترك ، فلا ينافي كون الترك عمدا . والعرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمدا ، ومنه قوله تعالى : قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) [ طه : 126 ] فالمراد في هذه الآية : الترك قصدا . وكقوله تعالى : فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 51 ) [ الأعراف : 51 ] ، وقوله تعالى : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) [ السجدة : 14 ] ، وقوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 ) [ الحشر : 19 ] ، وقوله تعالى : وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 34 ) [ الجاثية : 34 ] . وعلى هذا فمعنى قوله : فَنَسِيَ أي ترك الوفاء بالعهد ، وخالف ما أمره اللّه به من ترك الأكل من تلك الشجرة ، لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده . والوجه الثاني - هو أن المراد بالنسيان في الآية : النسيان الذي هو ضد الذكر ، لأن إبليس لما أقسم له باللّه أنه له ناصح فيما دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها - غره وخدعه بذلك ، حتى أنساه العهد المذكور ؛ كما يشير إليه قوله تعالى : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 21 - 22 ] . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي « 1 » رواه عنه ابن أبي حاتم ا ه . ولقد قال بعض الشعراء : وما سمي الإنسان إلا لنسيه * ولا القلب إلا أنه يتقلب أما على القول الأول فلا إشكال في قوله : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) [ طه : 121 ] وأما على الثاني ففيه إشكال معروف ؛ لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) . وأظهر أوجه الجواب عندي عن ذلك : أن آدم لم يكن معذورا بالنسيان ؛ وقد بينت في كتابي ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطأ والإكراه من خصائص هذه الأمة ؛ كقوله هنا فَنَسِيَ مع قوله وَعَصى فأسند إليه النسيان والعصيان ، فدل على أنه غير معذور بالنسيان . ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قرأ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] قال اللّه نعم قد فعلت . فلو كان ذلك معفوا عن جميع الأمم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع . ويستأنس لذلك بقوله : كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [ البقرة : 286 ] ويؤيد ذلك حديث : « إن اللّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » . فقوله « تجاوز لي عن أمتي » يدل على

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 160 .