الشنقيطي
39
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الوكالة « 1 » ما نصه : اشتمل كتاب الوكالة - يعني من صحيح البخاري - على ستة وعشرين حديثا ، المعلق منها ستة ، والبقية موصولة . المكرر منها فيه وفيما مضى اثنا عشر حديثا ، والبقية خالصة وافقة مسلم على تخريجها سوى حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية ابن خلف ، وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة ، وحديث وفد هوازن من طريقيه ، وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان ، وحديث عقبة بن الحارث في قصة النعمان ، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار ، واللّه أعلم . انتهى من فتح الباري . وكل تلك الأحاديث دالة على جواز الوكالة وصحتها . وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة وصحتها في الجملة وقال ابن قدامة في المغني : وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة ، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك ؛ فإن لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه فدعت الحاجة إليها ، انتهى منه . وهذا مما لا نزاع فيه . فروع تتعلق بمسألة الوكالة الفرع الأول - لا يجوز التوكيل إلا في شيء تصح النيابة فيه ؛ فلا تصح في فعل محرم ، لأن التوكيل من التعاون ، واللّه يقول : وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ المائدة : 42 ] الآية . ولا تصح في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوهما ، لأن ذلك مطلوب من كل أحد بعينه ، فلا ينوب فيه أحد من أحد ، لأن اللّه يقول : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] الآية . أما الحج عن الميت والمعضوب ، والصوم عن الميت - فقد دلت أدلة أخر على النيابة في ذلك . وإن خالف كثير من العلماء في الصوم عن الميت ، لأن العبرة بالدليل الصحيح من الوحي ، لا بآراء العلماء إلا عند عدم النص من الوحي . الفرع الثاني - ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها . سواء كان الموكل حاضرا أو غائبا ، صحيحا أو مريضا . وهذا قول جمهور العلماء ، منهم مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وغيرهم . وقال أبو حنيفة : للخصم أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرا غير معذور ، لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه . وقد قدمنا في كلام القرطبي : أن هذا قول سحنون أيضا من أصحاب مالك . واحتج الجمهور بظواهر النصوص لأن الخصومة أمر لا مانع من الاستنابة فيه .
--> ( 1 ) الحديث ( 2319 ) 4 / 494 .