الشنقيطي
383
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بالاقتداء بهم في سورة « الأنعام » ، وعلمت أن أمره أمر لنا ؛ لأن لنا فيه الأسوة الحسنة ، وعلمت أن هارون كل موفرا شعر لحيته بدليل قوله لأخيه : لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي لأنه لو كان حالقا لما أراد أخوه الأخذ بلحيته - تبين لك من ذلك بإيضاح : أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن العظيم ، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات اللّه وسلامه عليهم . والعجب من الذين مضخت ضمائرهم ، واضمحل ذوقهم ، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية ، وشرف الرجولة ، إلى خنوثة الأنوثة ، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم ، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية . وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم كث اللحية ، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة . والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر ، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها : ليس فيهم حالق . نرجو اللّه أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقا ، ويرزقنا اتباعه ، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه . أما الأحاديث النبوية الدالة على إعفاء اللحية ، فلسنا بحاجة إلى ذكرها لشهرتها بين الناس ، وكثرة الرسائل المؤلفة في ذلك . وقصدنا هنا أن نبين دليل ذلك من القرآن . وإنما قال هارون لأخيه قالَ يَا بْنَ أُمَّ لأن قرابة الأم أشد عطفا وحنانا من قرابة الأب . وأصله . يا بنؤمي بالإضافة إلى ياء المتكلم ، ويطرد حذف الياء وإبدالها ألفا وحذف الألف المبدلة منها كما هنا ، وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله : وفتح أو كسر وحذف اليا استمر * في يا بنؤم يا بن عم لا مفر وأما ثبوت ياء المتكلم فيقول حرملة بن المنذر : يا بنؤمي ويا شقيق نفسي * أنت خليتني لدهر شديد فلغة قليلة . وقال بعضهم : هو لضرورة الشعر . وقوله « يا بنؤم » قرأه ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي بكسر الميم . وقرأه الباقون بفتحها . وكذلك قوله في « الأعراف » : قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ [ الأعراف : 150 ] الآية . قوله تعالى : إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ( 98 ) [ 98 ] . بين جل وعلا في هذه الآية : أن العجل الذي صنعه السامري من حلي القبط لا يمكن أن يكون إلها ؟ وذلك لأنه حصر الإله أي المعبود بحق ب إِنَّما التي هي أداة حصر على التحقيق في خالق السماوات والأرض ؛ الذي لا إله إلا هو ؛ أي لا معبود بالحق إلا هو وحده جل وعلا ، وهو الذي وسع كل شيء علما . وقوله عِلْماً تمييز محول عن الفاعل ، أي وسع علمه كل شيء . وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة : من أنه تعالى هو الإله المعبود بحق دون غيره ،