الشنقيطي
373
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذكر جل في هذه الآية الكريمة : أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رجع إلى قومه ، ووجدهم قد عبدوا العجل من بعده قال لهم : يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً . وأظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن : أنه وعدهم أن ينزل على نبيهم كتابا فيه كل ما يحتاجون إليه من خير الدنيا والآخرة . وهذا الوعد الحسن المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى : وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ [ طه : 80 ] الآية ، وفيه أقوال غير ذلك . وقوله : أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ الاستفهام فيه للإنكار ، يعني لم يطل العهد ؛ كما يقال في المثل : ( وما بالعهد من قدم ) ؛ لأن طول العهد مظنة النسيان ، والعهد قريب لم يطل فكيف نسيتم ؟ وقوله : أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال بعض العلماء : « أم » هنا هي المنقطعة ، والمعنى : بل أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ، ومعنى إرادتهم حلول الغضب : أنهم فعلوا ما يستوجب غضب ربهم بإرادتهم ؛ فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه ، وهو الكفر بعبادة العجل . وقوله : فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) كانوا وعدوه أن يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات ، وأن يثبتوا على طاعة اللّه تعالى ؛ فعبدوا العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى ؛ فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في أثره ، قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا قرأه نافع وعاصم « بملكنا » بفتح الميم . وقرأه حمزة والكسائي « بملكنا » بضم الميم ، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو « بملكنا » بكسر الميم . والمعنى على جميع القراءات : ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا ، فلو ملكنا أمرنا ما أخلفنا موعدك . وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد باختيارهم ، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده . وهو اعتذار بارد ساقط كما ترى ! ! ولقد صدق من قال : إذا كان وجه العذر ليس ببين * فإن اطراح العذر خير من العذر وأما على قول من قال : إن الذين قالوا لموسى : ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا هم الذين لم يعبدوا العجل ؛ لأنهم وعدوه أن يتبعوه ، ولما وقع ما وقع من عبادة أكثرهم للعجل تأخروا عن اتباع موسى بسبب ذلك ، ولم يتجرؤوا على مفارقتهم خوفا من الفرقة - فالعذر له وجه في الجملة ، كما يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) [ طه : 92 - 94 ] . والمصدر في قوله