الشنقيطي

374

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بِمَلْكِنا مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف ، أي بملكنا أمرنا . وقال القرطبي : كأنه قال بملكنا الصواب بل أخطأنا ؛ فهو اعتراف منهم بالخطأ . وقال الزمخشري : أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ : الزمان ، يريد مدة مفارقته لهم . تنبيه كل فعل مضارع في القرآن مجزوم ب « لم » إذا تقدمتها همزة استفهام ؛ كقوله هنا : أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً فيه وجهان معروفان عند العلماء : الأول - أن مضارعته تنقلب ماضوية ، ونفيه ينقلب إثباتا ؛ فيصير قوله : أَ لَمْ يَعِدْكُمْ بمعنى وعدكم ، وقوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) [ الشرح : 1 ] بمعنى شرحنا ، وقوله : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ، بمعنى جعلنا له عينين . وهكذا . ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر ، لأن « لم » حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف . ووجه انقلاب النفي إثباتا أن الهمزة إنكارية ، فهي مضمنة معنى النفي ، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في « لم » فينفيه ، ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات . الوجه الثاني - أن الاستفهام في ذلك التقرير ، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول « بلى » وعليه فالمراد من قوله أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا بلى هكذا . ونظير هذا من كلام العرب قول جرير : ألستم خير من يركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح فإذا عرفت أن قوله هنا فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً - إلى قوله - بِمَلْكِنا قد بين اللّه فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ الآية - فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا ، وكذلك بعض فعله ، ولكنه بينه في غير هذا الموضع ؛ كقوله في « الأعراف » في القصة بعينها : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ [ الأعراف : 150 ] ، وبين بعض ما فعل بقوله في « الأعراف » : وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ [ الأعراف : 150 ] ، وقد أشار إلى ذلك هنا في « طه » في قوله : قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [ طه : 94 ] . قوله تعالى : وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 ) [ 87 - 88 ] . قرأ هذا الحرف أبو عمرو وشعبة عن عاصم ، وحمزة والكسائي حملنا بفتح الحاء والميم المخففة مبينا للفاعل مجردا . وقرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم « حملنا » بضم الحاء وكسر الميم المشددة مبينا للمفعول . و « نا » على القراءة الأولى فاعل