الشنقيطي

370

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] الآية . قوله تعالى : وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ( 83 ) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ( 84 ) [ 83 - 84 ] . أشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته موسى أربعين ليلة وذهابه إلى الميقات ، واستعجاله إليه قبل قومه . وذلك أنه لما واعده ربه وجعل له الميقات المذكور ، وأوصى أخاه هارون أن يخلفه في قومه ، استعجل إلى الميقات فقال له ربه * وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ الآية . وهذه القصة التي أجملها هنا أشار لها في غير هذا الموضع ؛ كقوله في « الأعراف » : * وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( 142 ) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 142 - 143 ] الآية . وفي هذه الآية سؤال معروف : وهو أن جواب موسى ليس مطابقا للسؤال الذي سأله ربه ، لأن السؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه ، والجراب لم يأت مطابقا لذلك ؛ لأنه أجاب بقوله : هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ الآية . وأجيب عن ذلك بأجوبة : ( منها ) أن قوله : هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي يعني هم قريب وما تقدمتهم إلا بيسير يغتفر مثله ، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم . ( ومنها ) أن اللّه جل وعلا لما خاطبه بقوله * وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ داخله من الهيبة والإجلال والتعظيم للّه جل وعلا ما أذهله عن الجواب المطابق . واللّه أعلم . وقوله هُمْ أُولاءِ المد فيه لغة الحجازيين . ورجحها ابن مالك في الخلاصة بقوله : والمد أولى . . ولغة التميميين « أولا » بالقصر ، ويجوز دخول اللام على لغة التميميين في البعد ، ومنه قول الشاعر : أولا لك قومي لم يكونوا أشابة * وهل يعظ الضليل إلا أولا لكا وأما على لغة الحجازيين بالمد فلا يجوز دخول اللام عليها . قوله تعالى : قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( 85 ) [ 85 ] . الظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل ؛ فهي فتنة إضلال ؛ كقوله : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [ الأعراف : 155 ] . وهذه الفتنة بعبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة ؛ كقوله : وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ

--> - 4 / 385 .