الشنقيطي

371

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ظالِمُونَ ( 51 ) [ البقرة : 51 ] ونحو ذلك من الآيات . قوله هنا : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( 85 ) أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع ؛ كقوله : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ - إلى قوله - اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ( 148 ) [ الأعراف : 184 ] أي اتخذوه إلها وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم بعبادته . وقوله هنا فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 ) [ طه : 87 - 88 ] والسامري : قيل اسمه هارون ، وقيل اسمه موسى بن ظفر ، وعن ابن عباس : أنه من قوم كانوا يعبدون البقر . وقيل : كان رجلا من القبط ؛ وكان جارا لموسى آمن به وخرج معه . وقيل : كان عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام . قال سعيد بن جبير : كان من أهل كرمان . والفتنة أصلها في اللغة : وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف . وقد أطلقت في القرآن إطلاقات متعددة : ( منها ) الوضع في النار ، كقوله يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( 13 ) [ الذاريات : 13 ] أي يحرقون بها ، وقوله إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ البروج : 10 ] الآية ؛ أي أحرقوهم بنار الأخدود . ( ومنها ) الاختبار وهو الأغلب في استعمال الفتنة ؛ كقوله أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ الأنفال : 28 ] الآية ، وقوله وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [ الجن : 16 - 17 ] . ( ومنها ) نتيجة الاختيار إذا كانت سيئة . ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك ، كقوله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [ البقرة : 193 ] ، وقوله هنا فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ الآية . ( ومنها ) الحجة ، كقوله ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) [ الأنعام : 23 ] أي لم تكن حجتهم . وقوله تعالى في هذه الآية : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( 85 ) أسند إضلالهم إليه ، لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورميه عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل ، فجعله اللّه بسبب ذلك عجلا جسدا له خوار ، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة : فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [ طه : 87 - 88 ] ، وقال في « الأعراف » وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [ الأعراف : 148 ] الآية . والخوار : صوت البقر . قال بعض العلماء : جعل اللّه بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسدا من لحم ودم ، وهذا هو ظاهر قوله عِجْلًا جَسَداً . وقال بعض العلماء : لم تكن تلك الصورة لحما ولا دما ، ولكن إذا دخلت فيها الريح صوتت كخوار العجل . والأول أقرب لظاهر الآية ، واللّه تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحما ودما ، كما جعل آدم لحما ودما وكان طينا . قوله تعالى : فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً [ 86 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات