الشنقيطي
369
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ويقولون : هوت أمه ، أي سقط سقوطا لا نهوض بعده . ومنه قول كعب بن سعد الغنوي : هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا * وماذا يرد الليل حين يئوب ونحو هذا هو أحد التفسيرات في قوله تعالى : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) [ القارعة : 9 ] وعن شفى بن مانع الأصبحي قال : إن في جهنم جبلا يدعى صعودا يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه ؛ قال اللّه تعالى : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) [ المدثر : 17 ] وإن في جهنم قصرا يقال له هوى ، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله ، قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( 81 ) قال القرطبي وابن كثير ، واللّه تعالى أعلم . واعلم أن الغضب صفة وصف اللّه بها نفسه إذا انتهكت حرماته ، تظهر آثارها في المغضوب عليهم . نعوذ باللّه من غضبه جل وعلا . ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه ، ولا نكذب بشيء من ذلك . مع تنزيهنا التام له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة « الأعراف » وقرأ حمزة والكسائي في هذه الآية قد انجيتكم من عدوكم وو اعدتكم بتاء المتكلم فيهما . وقرأه الباقون وواعدناكم وأنجيناكم بالنون الدالة على العظمة ، فصيغة الجمع في قراءة الجمهور للتعظيم . وقرأ أبو عمرو ووعدناكم بلا ألف بعد الواو الثانية بصيغة الفعل المجرد ، من الوعد لا من المواعدة مع نون التعظيم . قوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) [ 82 ] . ذكر اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه غفار أي كثير المغفرة لمن تاب إليه من معاصيه وكفره ، وآمن به وعمل صالحا ثم اهتدى . وقد أوضح هذا المعنى في مواضع متعددة من كتابه ، كقوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] الآية . وقوله في الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة : أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) [ المائدة : 74 ] ، وقوله تعالى : * قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [ الزمر : 53 - 54 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا معنى التوبة والعمل الصالح . وقوله في هذه الآية الكريمة : ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) أي استقام وثبت على ما ذكر من التوبة والإيمان والعمل الصالح ولم ينكث . ونظير ذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصلت : 30 ] ، وفي الحديث : « قل آمنت باللّه ثم استقم » « 1 » . وقال تعالى :
--> ( 1 ) أخرجه عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي : مسلم في الإيمان حديث 62 ، وأحمد في المسند 3 / 413 ، -