الشنقيطي

348

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الزنديق تقبل توبته ؟ لأن اللّه لم يأمر نبيه ولا أمته صلّى اللّه عليه وسلّم بالتنقيب عن قلوب الناس ؟ بل بالاكتفاء بالظاهر . وما يخفونه في سرائرهم أمره إلى اللّه تعالى . خلافا للإمام مالك رحمه اللّه وأصحابه القائلين بأن الساحر له حكم الزنديق ؛ لأنه مستمر بالكفر والزنديق لا تقبل توبته عنده إلا إذا جاء تائبا قبل الاطلاع عليه . وأظهر القولين عندي : أن المرأة الساحرة حكمها حكم الرجل الساحر وأنها إن كفرت بسحرها قتلت كما يقتل الرجل ؛ لأن لفظة « من » في قوله : « من بدل دينه فاقتلوه » « 1 » تشمل الأنثى على أظهر القولين وأصحهما إن شاء اللّه تعالى . ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [ النساء : 124 ] الآية . فأدخل الأنثى في لفظة « من » ، وقوله تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ [ الأحزاب : 30 ] الآية ، وقوله : * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ [ الأحزاب : 31 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وإلى هذه المسألة التي هي شمول لفظة « من » في الكتاب والسنة للأنثى أشار في مراقي السعود بقوله : وما شمول من للأنثى جنف * وفي شبيه المسلمين اختلفوا وأما إن كان الساحر عمل السحر الذي لا يبلغ بصاحبه الكفر ، فهذا هو محل الخلاف بين العلماء . فالذين قالوا يقتل ولو لم يكفر بسحره قال أكثرهم : يقتل حدا ولو قتل إنسانا بسحره ، وانفرد الشافعي في هذه الصورة بأنه يقتل قصاصا لا حدا . وهذه حجج الفريقين ومناقشتها : أما الذين قالوا مطلقا إذا عمل بسحره ولو لم يقتل به أحدا فاستولوا بآثار عن الصحابة رضي اللّه عنهم ، وبحديث جاء بذلك إلا أنه لم يصح . فمن الآثار الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب ( الجهاد في باب الجزية ) : حدثنا علي بن عبد اللّه حدثنا سفيان قال : سمعت عمرا قال : كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم قال : كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف ، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة : اقتلوا كل ساحر ، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس قال : فقتلنا في يوم واحد ثلاث سواحر وفرقنا بين المحارم منهم « 2 » . ورواه أيضا أحمد « 3 » وأبو داود « 4 » . واعلم أن لفظة « اقتلو كل ساحر » الخ في هذا الأثر ساقطة في بعض روايات البخاري ، ثابتة في بعضها ، وهي ثابتة في رواية مسدد وأبي يعلى ؛ قاله في الفتح . ومن الآثار الدالة على ذلك أيضا ما رواه مالك في الموطأ عن

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجزية حديث 3156 . ( 3 ) المسند 1 / 190 ، 191 . ( 4 ) كتاب الخراج والإمارة والفيء حديث 3043 .