الشنقيطي

336

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ( 17 ) [ يونس : 17 ] ، وقوله في « الأنعام » : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 ) [ الأنعام : 21 ] ؛ إلى غير ذلك من الآيات . ويفهم من مفهوم مخالفة الآيات المذكورة : أن من جانب تلك الصفات التي استوجبت نفي الفلاح عن السحرة والكفرة - غيرهم أنه ينال الفلاح ، وهو كذلك ، كما بينه جل وعلا في آيات كثيرة ؛ كقوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) [ البقرة : 5 ] ، وقوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) [ المؤمنون : 1 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ مضارع أفلح بمعنى نال الفلاح . والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب ؛ ومنه قول لبيد : فاعقلي إن كنت لما تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل فقوله « ولقد أفلح من كان عقل » يعني أن من رزقه اللّه العقل فاز بأكبر مطلوب . ويطلق الفلاح أيضا على البقاء والدوام في النعيم ؛ ومنه قول لبيد : لو أن حيا مدرك الفلاح * لناله ملاعب الرماح فقوله « مدرك الفلاح » يعني البقاء . وقول الأضبط بن قريع السعدي ، وقيل كعب بن زهير : لكل هم من الهموم سعة * والمسى والصبح لا فلاح معه يعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء . وبكل واحد من المعنيين فسر بعض أهل العلم « حيّ على الفلاح » في الأذان والإقامة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : حَيْثُ أَتى ( 69 ) حيث كلمة تدل على المكان ، كما تدل حين على الزمان ، ربما ضمنت معنى الشرط . فقوله : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ( 69 ) أي حيث توجه وسلك . وهذا أسلوب عربي . معروف يقصد به التعميم ؛ كقولهم : فلان متصف بكذا حيث سير ، وأية سلك ، وأينما كان ؛ ومن هذا القبيل قول زهير : بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا * وزودوك اشتياقا أية سلكوا وقال القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ( 69 ) أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض . وقيل : حيث احتال . والمعنى في الآية هو ما بينا واللّه تعالى أعلم .