الشنقيطي

337

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى - اعلم أن السحرة يطلق في اللغة على كل شيء خفي سببه ولطف ودق ؛ ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء : أخفى من السحر ؛ ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري : جعلت علامات المودة بيننا * مصائد لحظ من أخفى من السحر فأعرف منها الوصل في لين طرفها * وأعرف منها الهجر في النظر الشزر ولهذا قيل لملاحة العينين : سحر ؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء . ومنه قول المرأة التي شببت بنصر بن حجاج السلمي : وانظر إلى السحر يجري في لواحظه * وانظر إلى دعج في طرفه الساجي المسألة الثانية - اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع ؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته ، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعا لها مانعا لغيرها ؛ ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافا متباينا . المسألة الثالثة - اعلم أن الفخر الرازي في تفسيره قسم السحر إلى ثمانية أقسام : القسم الأول - سحر الكلدانيين والكسدائيين الذين كانوا في قديم الدهر يعبدون الكواكب ، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم ، ومنها تصدر الخيرات والشرور ، والسعادة والنحوسة ، وهم الذين بعث اللّه تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم ورادا عليهم . وقد أطال الكلام في هذا النوع من السحر . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : ومعلوم أن هذا النوع من السحر كفر بلا خلاف ؛ لأنهم كانوا يتقربون فيه للكواكب كما يتقرب المسلمون إلى اللّه ، ويرجون الخير من قبل الكواكب ويخافون الشر من قبلها كما يرجو المسلمون ربهم ويخافونه ؛ فهم كفرة يتقربون إلى الكواكب في سحرهم بالكفر البواح . النوع الثاني من السحر - سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية . ثم استدل على تأثير الوهم بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه قال : وما ذاك إلا أن تخيل السقوط متى قوي أوجبه . وقال : واجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر ، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران ؛ وما ذاك إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام . قال : وحكى صاحب الشفاء عن أرسطو في طبائع الحيوان : أن الدجاجة إذا تشبهت كثيرا بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة نبت على ساقها مثل الشيء