الشنقيطي

329

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

زمان الوعد بقوله قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ولا إشكال في ذلك . هذا هو الذي ظهر لنا صوابه . وأقرب الأوجه التي ذكرها العلماء بعد هذا عندي قول من قال : إن الموعد في الآية مصدر وعليه ف لا نُخْلِفُهُ راجع للمصدر ، و مَكاناً منصوب بفعل دل عليه الموعد ؛ أي عدنا مكانا سوى . ونصب المكان بأنه مفعول المصدر الذي هو مَوْعِداً أو أحد مفعوليّ فَاجْعَلْ غير صواب فيما يظهر لي واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة مَكاناً سُوىً ( 58 ) قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة « سوى » بضم السين والباقون بكسرها . ومعنى القراءتين واحد كما تقدم . قوله تعالى : فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى ( 60 ) [ 60 ] . قوله تعالى في هذه الآية الكريمة فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ قال بعض العلماء : معناه فتولى فرعون ، انصرف مدبرا من ذلك المقام ليهيىء ما يحتاج إليه مما تواعد عليه هو وموسى . ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في سورة « النازعات » في القصة بعينها ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ( 22 ) فَحَشَرَ فَنادى ( 23 ) [ النازعات : 22 - 23 ] وقوله فَحَشَرَ أي جمع السحرة . وقال بعض العلماء : معنى قوله فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ أي أعرض عن الحق الذي جاء به موسى . ومن معنى هذا الوجه قوله تعالى : إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) [ طه : 48 ] . وقوله تعالى : فَجَمَعَ كَيْدَهُ الظاهر أن المراد ب كَيْدَهُ ما جمعه من السحر ليغلب به موسى في زعمه . وعليه فالمراد بقوله فَجَمَعَ كَيْدَهُ هو جمعه للسحرة من أطراف مملكته ، ويدل على هذا أمران : أحدهما - تسمية السحر في القرآن كيدا ؛ كقوله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [ طه : 69 ] الآية ، وقوله تعالى عن السحرة : فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ [ طه : 64 ] وكيدهم سحرهم . الثاني - أن الذي جمعه فرعون هو السحرة كما دلت عليه آيات من كتاب اللّه ؛ كقوله تعالى في « الأعراف » : وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 111 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 112 ) [ الأعراف : 111 - 112 ] . وقوله حاشِرِينَ أي جامعين يجمعون السحرة من أطراف مملكته ، وقوله في « الشعراء » : وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) [ الشعراء : 38 ] ، وقوله في « يونس » : وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 79 ) [ يونس : 79 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ثُمَّ أَتى ( 60 ) [ 60 ] أي جاء فرعون بسحرته للميعاد ليغلب نبي اللّه موسى بسحره في زعمه . قوله تعالى : قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) [ 65 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن السحرة لما جمعهم فرعون واجتمعوا مع