الشنقيطي

330

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

موسى للمغالبة قالوا له متأدبين معه : إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) وقد بين تعالى مقالتهم هذه في غير هذا الموضع ؛ كقوله في « الأعراف » : قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( 115 ) [ الأعراف : 115 ] . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يحذف مفعول فعل في موضع ، ثم يبين في موضع آخر ، فإنا نبين ذلك ، وقد حذف هنا في هذه الآية مفعول تُلْقِيَ ، ومفعول أول من أَلْقى وقد بين تعالى في مواضع أخر أن مفعول إلقاء موسى هو عصاه وذلك في قوله في « الأعراف » : * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) [ الأعراف : 117 ] ، وقوله في « الشعراء » : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 45 ) [ الشعراء : 45 ] ، وقوله هنا : وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا [ طه : 69 ] الآية . وما في يمينه هو عصاه ؛ كما قال تعالى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ [ طه : 17 - 18 ] الآية . وقد بين تعالى أيضا في موضع آخر : أن مفعول إلقائهم هو حبالهم وعصيهم ، وذلك في قوله في « الشعراء » : فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ( 44 ) [ الشعراء : 44 ] . وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضا بقوله هنا قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) [ طه : 66 ] ، لأن في الكلام حذفا دل المقام عليه ، والتقدير : قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . والمصدر المنسبك من « أن » وصلتها في قوله أَنْ تُلْقِيَ وفي قوله أَنْ نَكُونَ فيه وجهان من الإعراب : الأول - أنه في محل نصب بفعل محذوف دل المقام عليه ، والتقدير : إما أن تختار أن تلقي أي تختار إلقاءك أولا ، أو تختار إلقاءنا أولا . وتقدير المصدر الثاني : وإما أن تختار أن نكون أي كوننا أول من ألقي ، والثاني أنه في محل رفع ، وعليه فقيل هو مبتدأ والتقدير إما إلقاؤك أول ، أو إلقاؤنا أول . وقيل خبر مبتدأ محذوف ، أي إما الأمر إلقاؤنا أو إلقاؤك . قوله تعالى : قالَ بَلْ أَلْقُوا [ 66 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما خيره سحرة فرعون أن يلقي قبلهم أو يلقوا قبله قال لهم : أَلْقُوا يعني ألقوا ما أنتم ملقون كما صرح به في « الشعراء » في قوله تعالى : قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) [ الشعراء : 43 ] وذلك هو المراد أيضا بقوله في « الأعراف » قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] الآية . تنبيه قول موسى للسحرة : ألقوا المذكور في « الأعراف ، وطه ، والشعراء » فيه سؤال