الشنقيطي

312

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مراد فرعون بقوله لموسى فيما ذكره اللّه عنه : وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ [ الشعراء : 19 ] الآية . وقد أشار تعالى في « القصص » أيضا إلى غمّ موسى ، وإلى السبب الّذي أنجاه اللّه به منه في قوله : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 ) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ( 22 ) - إلى قوله - قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 ) [ القصص : 20 - 25 ] . وقوله الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ قال بعض أهل العلم : الفتون مصدر ، وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول . وقال بعضهم : هو جمع فتنة . وقال الزمخشري في الكشاف فُتُوناً يجوز أن يكون مصدرا على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور . وجمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداء بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزه وبدرة أي فتنّاك ضروبا من الفتن . وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف عند أهل العلم بحديث « الفتون » ، أخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده . وهو حديث طويل يقتضي : أنّ الفتون يشمل كل ما جرى على موسى من المحن من فرعون في صغره وكبره ، كالخوف عليه من الذبح وهو صغير ، ومن أجل ذلك ألقي في التابوت وقذف في اليمّ فألقاه اليمّ بالساحل . وكخوفه وهو كبير من أن يقتله فرعون بالقبطيّ الّذي قتله . وعلى هذا فالآيات التّي ذكرت فيها تلك المحن مبيّنة للفتون على تفسير ابن عباس للفتون المذكور ؛ وقال ابن كثير رحمه اللّه - بعد أن ساق حديث الفتون بطوله : هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى . وأخرجه أبو جعفر بن جرير ، وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلّهم من حديث يزيد بن هارون به ، وهو موقوف من كلام ابن عباس ، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه ، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي اللّه عنه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره . واللّه أعلم . وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزّي يقول ذلك أيضا اه . قوله تعالى : فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ [ 40 ] . السنين الّتي لبثها في مدين هي المذكورة في قوله تعالى : قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ [ القصص : 27 ] وقد قدمنا في سورة « مريم » أنه أتمّ العشر ، وبينّا دليل ذلك من السنة . وبه تعلم أنّ الأجل في قوله : * فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ [ القصص : 29 ] أنه عشر سنين لاثمان . وقال بعض أهل العلم : لبث موسى في مدين ثمان وعشرين سنة ، عشر منها مهر ابنة صهره ، وثمان عشرة أقامها هو اختيارا ، واللّه تعالى أعلم . وأظهر الأقوال في قوله تعالى : ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى ( 40 ) أي جئت على القدر الذي قدرته وسبق في علمي أنك تجيء فيه فلم تتأخر عنه ولم تتقدّم ، كما قال تعالى : إِنَّا