الشنقيطي
313
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) [ الجاثية : 49 ] وقال : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ( 8 ) [ الرعد : 8 ] ، وقال وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ( 38 ) [ الأحزاب : 38 ] . وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز : نال الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر وقوله تعالى : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي ( 42 ) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 43 ) [ 42 - 43 ] . قال بعض أهل العلم : المراد بالآيات في قوله هنا : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [ الإسراء : 101 ] الآية ، وقوله : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ [ النمل : 12 ] الآية . والآيات التسع المذكورة هي : العصا واليد البيضاء . . . إلى آخرها . وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة « بني إسرائيل » . وقوله تعالى : إِنَّهُ طَغى ( 43 ) . أصل الطغيان : مجاوزة الحدّ ، ومنه : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ( 11 ) [ الحاقة : 11 ] وقد بيّن تعالى شدّة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله عنه : فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 ) [ النازعات : 24 ] ، وقوله عنه ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] ، وقوله عنه أيضا : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) [ الشعراء : 29 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ، وَلا تَنِيا مضارع ونى يني ، على أحد قول ابن مالك في الخلاصة : فا أمرا ومضارع من كوعد * احذف وفي كعدة ذاك اطرد والونى في اللغة : الضعف ، والفتور ، والكلال والإعياء ، ومنه قول امرئ القيس في معلقته : مسح إذا ما السابحات على الونى * أثرن غبارا بالكديد المركل وقول العجاج : فما ونى محمد مذ أن غفر * له الإله ما مضى وما غبر فقوله : وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي أي لا تضعفا ولا تفترا في ذكري . وقد أثنى اللّه على من يذكره في جميع حالاته في قوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [ آل عمران : 191 ] ، وأمر بذكر اللّه عند لقاء العدو في قوله إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً [ الأنفال : 45 ] كما تقدم إيضاحه . وقال ابن كثير رحمه اللّه في تفسيره هذه الآية