الشنقيطي
309
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وما ذكره جلّ وعلا في هذه الآيات - أوضحه في غير هذا الموضع ، كقوله في « القصص » : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 7 - 8 ] وقد بيّن تعالى شدّة جزع أمّه عليه لمّا ألقته في البحر ، وألقاه اليمّ بالساحل ، وأخذه عدوّه فرعون في قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) [ القصص : 10 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة يَأْخُذْهُ مجزوم في جواب الطلب الذي هو فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ وعلى أنّه بمعنى الأمر الكوفي فالأمر واضح . وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ . والعلم عند اللّه تعالى . وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار - وهو الزفت - لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت ، وحشته قطنا محلوجا . وقيل : إن التابوت المذكور من شجر الجميز ، وأنّ الذي نجره لها هو مؤمن آل فرعون ، قيل : واسمه حزقيل . وكانت عقدت في التابوت حبلا فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها ، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل . فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر بالتابوت الّذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغمّ والهمّ ما ذكره اللّه تعالى في قوله وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [ القصص : 10 ] الآية . وما ذكره جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى حيث قال وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ( 37 ) [ طه : 37 ] - أشار إلى ما يشبهه في قوله : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ ( 114 ) [ الصافات : 114 ] الآية . قوله تعالى : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [ 39 ] . من آثار هذه المحبة الّتي ألقاها اللّه على عبده ونبيه موسى عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام - ما ذكره جلّ وعلا في « القصص » في قوله : وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [ القصص : 9 ] الآية ، قال ابن عباس وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي : أي أحبه اللّه وحببه إلى خلقه . وقال ابن عطية : جعل عليه مسحة من جمال ؛ لا يكاد يصبر عنه من رآه . وقال قتادة : كانت في عيني موسى ملاحة ، ما رآه أحد إلا أحبّه وعشقه ؛ قاله القرطبي « 1 » . قوله تعالى : إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ [ 40 ] . اختلف في العامل الناصب للظرف الّذي هو « إذ » من قوله إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فقيل :
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 11 / 196 .