الشنقيطي

310

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

هو « ألقيت » أي ألقيت عليك محبة مني حين تمشي أختك . وقيل : هو « تصنع » أي تصنع على عيني حين تمشي أختك . وقيل : هو بدل من « إذ » في قوله إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ [ طه : 38 ] . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان ؟ قلت : كما يصحّ وإن اتّسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل : لقيت فلانا سنة كذا . فتقول : وأنا لقيته إذ ذاك . وربّما لقيه هو في أوّلها وأنت في آخرها . وهذا الّذي ذكره جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : من كون أخته مشت إليهم ، وقالت لهم هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ - أوضحه جلّ وعلا في سورة « القصص » فبيّن أن أخته المذكورة مرسلة من قبل أمها لتتعرف خبره بعد ذهابه في البحر ، وأنها أبصرته من بعد وهم لا يشعرون بذلك . وأن اللّه حرم عليه المراضع غير أمه تحريما كونيا قدريا . فقالت لهم أخته هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ أي على مرضع يقبل هو ثديها وتكفله لكم بنصح وأمانة - وذلك في قوله تعالى : وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) * وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) [ القصص : 11 - 13 ] فقوله تعالى في آية « القصص » هذه وَقالَتْ لِأُخْتِهِ أي قالت أمّ موسى لأخته وهي ابنتها قُصِّيهِ أي اتبعي أثره ، وتطلّبي خبره حتى تطّلعي على حقيقة أمره . وقوله : فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ أي رأته من بعيد كالمعرضة عنه ، تنظر إليه وكأنّها لا تريده وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) بأنها أخته جاءت لتعرف خبره فوجدته ممتنعا من أن يقبل ثدي مرضعة ، لأن اللّه يقول : * وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أي تحريما كونيا قدريا ، أي منعناه منها ليتيسر بذلك رجوعه إلى أمّه ، لأنه لو قبل غيرها أعطوه لذلك الغير الذي قبله ليرضعه ويكفله فلم يرجع إلى أمه . وعن ابن عباس : أنه لما قالت لهم هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) أخذوها وشكّوا في أمرها وقالوا لها : ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه ؟ ! فقالت لهم : نصحهم له ، وشفقتهم عليه رغبة في سرور الملك ، ورجاء منفعته ، فأرسلوها . فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم ، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمّه فأعطته ثديها فالتقمه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى امرأة الملك فاستدعت أمّ موسى ، وأحسنت إليها ، وأعطتها عطاء جزيلا وهي لا تعرف أنّها أمّه في الحقيقة ، ولكن لكونه قبل ثديها . ثمّ سألتها « آسية » أن تقيم عندها فترضعه فأبت عليها وقالت : إنّ لي بعلا وأولادا ، ولا أقدر على المقام عندك ، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك ، وأجرت عليها النفقة والصّلات والكساوي