الشنقيطي
308
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) [ 27 - 28 ] . قال بعض العلماء : دلّ قوله عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) بالتنكير والإفراد ، واتباعه لذلك بقوله يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) على أنه لم يسأل إزالة جميع ما بلسانه من العقد ، بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل بإزالته فهم كلامه مع بقاء بعضها . وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر ، كقوله تعالى عنه : وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً [ القصص : 34 ] الآية ، وقوله تعالى عن فرعون أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ( 52 ) [ الزخرف : 52 ] والاستدلال بقول فرعون في موسى ، فيه أن فرعون معروف بالكذب والبهتان . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ( 37 ) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى ( 38 ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [ 37 - 39 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة . أنه منّ على موسى مرّة أخرى قبل منّه عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه ، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير ، إذ أوحى إلى أمّه أي ألهمها وقذف في قلبها ، وقال بعضهم : هي رؤيا منام . وقال بعضهم : أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلمها بذلك . ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحي إليه نبيا ، و « أن » في قوله أَنِ اقْذِفِيهِ هي المفسرة ، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه . والتعبير بالموصول في قوله ما يُوحى ( 38 ) للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور ، كقوله : فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) [ طه : 78 ] ، وقوله فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) [ النجم : 10 ] والتابوت : الصندوق . واليمّ : البحر . والساحل : شاطىء البحر . والبحر المذكور : نيل مصر . والقذف : الإلقاء والوضع ، ومنه قوله تعالى : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [ الأحزاب : 26 ] ومعنى اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ أي ضعيه في الصندوق . والضمير في قوله أَنِ اقْذِفِيهِ راجع إلى موسى بلا خلاف . وأما الضمير في قوله فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ وقوله فَلْيُلْقِهِ فقيل : راجع إلى التابوت . والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت ، لأن تفريق الضمائر غير حسن ، وقوله يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ هو فرعون ، وصيغة الأمر في قوله فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ فيها وجهان معروفان عند العلماء : أحدهما - أن صيغة الأمر معناها الخبر ، قال أبو حيان في البحر المحيط : و فَلْيُلْقِهِ أمر معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة ، إذا الأمر أقطع الأفعال وأوجبها . الوجه الثاني - أنّ صيغة الأمر في قوله فَلْيُلْقِهِ أريد بها الأمر الكوفي القدري ، كقوله إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) [ يس : 82 ] فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل ، لأن اللّه أمره بذلك كوفا وقدرا . وقد قدّمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى : فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [ مريم : 75 ] .