الشنقيطي
304
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
راحت بمسلمة البغال عشيّة * فارعى فزارة لا هناك المرتع ثمّ بني عليه الأمر والهاء للسكت . ولا يخفى ما في هذا القول من التعسّف والبعد عن الظاهر . وفي قوله طه ( 1 ) أقوال أخر ضعيفة ، كالقول بأنّه من أسماء النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . والقول بأنّ الطاء من الطهارة ، والهاء من الهداية يقول لنبيّه : يا طاهرا من الذنوب ، يا هادي الخلق إلى علّام الغيوب ، وغير ذلك من الأقوال الضعيفة . والصواب إن شاء اللّه في الآية هو ما صدّرنا به ، ودلّ عليه القرآن في مواضع أخر . قوله تعالى : ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) [ 2 ] . في قوله تعالى : ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) وجهان من التفسير ، وكلاهما يشهد له قرآن : الأول - أنّ المعنى : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ؛ أي لتتعب التعب الشديد بفرط تأسّفك عليهم وعلى كفرهم ؛ وتحسّرك على أن يؤمنوا . وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات كثيرة ، كقوله تعالى : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] الآية ، وقوله تعالى فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) [ الكهف : 6 ] وقوله لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء : 3 ] ؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا ، وقد قدّمنا كثيرا منها في مواضع من هذا الكتاب المبارك . الوجه الثاني - أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلى بالليل حتّى تورّمت قدماه ، فأنزل اللّه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) أي تنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقّة الفادحة ؛ وما بعثناك إلّا بالحنيفيّة السّمحة . وهذا الوجه تدلّ له ظواهر آيات من كتاب اللّه ، كقوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ، وقوله يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] . والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ويفهم من قوله : لِتَشْقى أنّه أنزل عليه ليسعد ؛ كما يدلّ له الحديث الصحيح : « من يرد اللّه به خيرا يفقّهه في الدّين » « 1 » وقد روى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم رضي اللّه عنه ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّ اللّه يقول للعلماء يوم القيامة : « إنّي لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلّا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا
--> ( 1 ) أخرجه عن معاوية : البخاري في العلم حديث 71 ، والخمس حديث 3116 ، والاعتصام حديث 7312 ، ومسلم في الزكاة حديث 98 و 100 ، والإمارة حديث 175 . وأخرجه عن ابن عباس : الترمذي في العلم حديث 2645 ، والدارمي في الرقاق ، باب من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين ، وأحمد في المسند 1 / 306 .