الشنقيطي

305

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أبالي » « 1 » وقال ابن كثير : إنّ إسناده جيّد « 2 » ، ويشبه معنى الآية على هذا القول الأخير قوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا [ المزمل : 20 ] الآية . وأصل الشقاء في لغة العرب : العناء والتعب ، ومنه قول أبي الطّيّب : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم ومنه قوله تعالى : فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ( 117 ) [ طه : 117 ] . قوله تعالى : [ 3 ] . أظهر الأقوال فيه : أنّه مفعول لأجله ، أي ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة ، أي إلّا لأجل التذكرة لمن يخشى اللّه ويخاف عذابه . والتذكرة : الموعظة الّتي تلين لها القلوب ؛ فتمتثل أمر اللّه ، وتجتنب نهيه . وخصّ بالتذكرة من يخشى دون غيرهم ، لأنّهم هم المنتفعون بها ، كقوله تعالى : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ( 45 ) [ ق : 45 ] ، وقوله : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ يس : 11 ] وقوله : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) [ النازعات : 45 ] . فالتخصيص المذكور في الآيات ب مَنْ تنفع فيهم الذكرى لأنّهم هم المنتفعون بها دون غيرهم . وما ذكره هنا من أنّه ما أنزل القرآن إلّا للتذكرة - بيّنه في غير هذا الموضع كقوله : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) [ التكوير : 27 - 28 ] ، وقوله تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ( 90 ) [ الأنعام : 90 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وإعراب إِلَّا تَذْكِرَةً بأنّه بدل من لِتَشْقى لا يصح ، لأن التذكرة ليست بشقاء . وإعرابه مفعولا مطلقا أيضا غير ظاهر . وقال الزمخشري في الكشاف : ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 3 ) [ طه : 2 - 3 ] : ما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة . وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون تَذْكِرَةً حالا ومفعولا له . قوله تعالى : تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ( 4 ) [ 4 ] . في قوله تَنْزِيلًا أوجه كثيرة من الإعراب ذكرها المفسرون . وأظهرها عندي أنه مفعول مطلق ، منصوب بنزل مضمرة دلّ عليها قوله ، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) أي نزّله اللّه تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ الآية ، أي فليس بشعر ولا كهانة ، ولا سحر ولا أساطير الأولين ، كما دلّ لهذا المعنى قوله تعالى : وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 43 ) [ الحاقة : 41 - 43 ] والآيات المصرّحة بأن القرآن منزل من رب العالمين كثيرة جدا معروفة ، كقوله وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) [ الشعراء : 192 ] الآية ،

--> ( 1 ) أخرجه عن ثعلبة بن الحكم الطبراني في المعجم الكبير حديث 1381 . ( 2 ) التفسير 3 / 142 .