الشنقيطي

294

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله في هذه الآية : لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ( 81 ) أفرد فيه العزّ مع أنّ المراد الجمع ؛ لأنّ أصله مصدر على حدّ قوله في الخلاصة : ونعتوا بمصدر كثير * فالتزموا الإفراد والتذكيرا والإخبار بالمصدر يجري على حكم النّعت به . وقوله ضِدًّا مفردا أيضا أريد به الجمع . قال ابن عطيّة : لأنه مصدر في الأصل ؛ حكاه عنه أبو حيان في البحر . وقال الزمخشري : الضّدّ العون ، وحدّ توحيد قوله عليه السلام ، « هم يد على من سواهم » « 1 » لاتّفاق كلمتهم ، وأنّهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم . قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) [ 83 ] . قوله : أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ الآية : أي سلّطانهم عليهم وقيضناهم لهم ؛ وهذا هو الصواب . خلافا لمن زعم أنّ معنى أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ الآية : أي خلّينا بينهم وبينهم ، ولم نعصمهم من شرّهم ؛ يقال : أرسلت البعير أي خلّيته . وقوله : تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) : الأزّ والهزّ والاستفزاز بمعنى ، ومعناها التّهييج وشدّة الإزعاج . فقوله تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) أي تهيّجهم وتزعجهم إلى الكفر والمعاصي . وأقوال أهل العلم في الآية راجعة إلى ما ذكرنا : كقول ابن عبّاس تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) : أي تغريهم إغراء » « 2 » . وكقول مجاهد تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) : أي تشليهم إشلاء . وكقول قتادة تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) أي تزعجهم إزعاجا . وما ذكره جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة - من أنّه سلّط الشّياطين على الكافرين ، وقيّضهم لهم يضلّونهم عن الحقّ بيّنه في مواضع أخر من كتابه ؛ كقوله تعالى : * وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [ فصلت : 25 ] الآية ، وقوله تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [ الزخرف : 36 - 37 ] الآية ، وقوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ [ الأنعام : 128 ] الآية ، وقوله : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ( 202 ) [ الأعراف : 202 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله تعالى : فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) [ 84 ] . قوله : فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ أي لا تستعجل وقوع العذاب بهم فإنّ اللّه حدّد له أجلا معينا معدودا ؛ فإذا انتهى ذلك الأجل جاءهم العذاب . فقوله : إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) أي نعد

--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثاني . ( 2 ) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 95 .