الشنقيطي
295
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الأعوام والشّهور والأيّام الّتي دون وقت هلاكهم ، فإذا جاء الوقت المحدّد لذلك أهلكناهم ؛ والعرب تقول : عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه . وفما ذكره جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة - من أنّ هلاك الكفار حدّد له أجل معدود ذكره في مواضع كثيرة من كتابه ؛ كقوله تعالى : وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [ الأحقاف : 35 ] ، وقوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ [ العنكبوت : 53 ] الآية ، وقوله : وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ( 104 ) [ هود : 104 ] ، وقوله : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ [ هود : 8 ] ، وقوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) [ إبراهيم : 42 ] ، قوله تعالى : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ( 24 ) [ لقمان : 24 ] ، وقوله : قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ [ البقرة : 126 ] الآية ، وقوله : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 ) [ الطارق : 17 ] إلى غير ذلك من الآيات . وروي أنّ المأمون قرأ هذه السّورة الكريمة فمرّ بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء ؛ فأشار إلى ابن السّمّاك أن يعظه . فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد ، فما أسرع ما تنفد . والأظهر في الآية هو ما ذكرنا من أنّ العدّ المذكور عدّ الأعوام والأيّام والشّهور من الأجل المحدّد . وقال بعض أهل العلم . هو عدّ أنفاسهم ؛ كما أشار إليه ابن السّمّاك في موعظته للمأمون الّتي ذكرنا إن صح ذلك . وعن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما « أنّه كان إذا قرأها بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك ، آخر العدد : فراق أهلك ، آخر العدد : دخول قبرك » « 1 » . وقال بعض أهل العلم إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) أي نعدّ أعمالهم لنجازيهم عليها . والظّاهر هو ما قدّمنا . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) [ 85 - 86 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ المتّقين الّذين كانوا يتّقونه في دار الدّنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفدا . والوفد على التّحقيق : جمع وافد كصاحب وصحب ، وراكب وركب . وقدّمنا في سورة « النّحل » أنّ التّحقيق أنّ الفعل بفتح فسكون من صيغ جموع الكثرة للفاعل وصفا ، وبيّنّا شواهد ذلك من
--> ( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره ، سورة مريم 19 آية 84 .