الشنقيطي
285
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أسود أنتج فهو غير أبيض . بخلاف ما لو قلت : لكنّه غير أبيض فلا ينتج كونه أسود ؛ لأنّ غير الأبيض صادق بالأسود وغيره . وكذلك لو قلت : لكنّه غير أسود فلا ينتج كونه أبيض لصدق غير الأسود بالأبيض وغيره ، فلا مانع من انتفاء الطّرفين وكون جسم غير أبيض وغير أسود ؛ لأنّ مانعة الجميع تجوز الخلوّ من الطّرفين بأن يكونا معدومين معا . وإنّما جاز فيها الخلوّ من الطّرفين معا لواحد من سببين . الأوّل - وجود واسطة أخرى غير طرفي القضيّة المذكورة . فقولنا في المثال السّابق : الجسم إمّا أبيض ، وإمّا أسود يجوز فيه الخلوّ عن البياض والسّواد لوجود واسطة أخرى من الألوان غير السّواد والبياض ؛ كالحمرة والصّفرة مثلا . فالجسم الأحمر مثلا غير أبيض ولا أسود . السّبب الثّاني - ارتفاع المحلّ ، كقولك : الجسم إمّا متحرّك ، وإمّا ساكن ، فإنّه إن انعدم بعض الأجسام الّتي كانت موجودة ورجع إلى العدم بعد الوجود فإنّه يرتفع عنه كلّ من طرفي القضيّة المذكورة ، فلا يقال للمعدوم : هو ساكن ولا متحرك ، لأنّ المعدوم ليس بشيء ، بدليل قوله تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) [ مريم : 9 ] ، وقوله : أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) [ مريم : 67 ] . وإن كان العناد والمنافرة بين طرفيها في العدم فقط - فهي مانعة الخلوّ المجوّزة للجمع . وهي عكس الّتي ذكرنا قبلها تصوّرا وإنتاجا ، ولا تتركّب إلّا من قضيّة وأعمّ من نقيضها . وضابطها - أنّ طرفيها لا يرتفعان لما بينهما من المنافرة والعناد في العدم ، ولا مانع من اجتماعهما لعدم المنافرة والعناد بينهما في الوجود . ومثالها : الجسم إمّا غير أبيض ، وإمّا غير أسود ، فإنّ هذا المثال قد يجتمع فيه الطّرفان فلا مانع من وجود جسم موصوف بأنّه غير أبيض وغير أسود ، كالأحمر فإنّه غير أبيض وغير أسود ، ولكنّه لا يمكن بحال وجود جسم خال من طرفي هذه القضيّة الّتي مثّلنا بها ، فيكون خاليا من كونه غير أبيض وغير أسود ؛ لأنّك إذا نفيت غير أبيض أثبتّ أنّه أبيض ، لأنّ نفي النّفي إثبات . وإذا أثبتّ أنّه أبيض استحال ارتفاع الطّرف الثّاني الّذي هو غير أسود ؛ لأنّ الأبيض موصوف ضرورة بأنّه غير أسود ، وهكذا في الطّرف الآخر ؛ لأنّك إذا نفيت غير أسود أثبتّ أنّه أسود ، وإذا أثبت أنّه أسود لزم ضرورة أنّه غير أبيض ، وهو عين الآخر من طرفي القضيّة المذكورة ، وقياس هذه ينتج منه الضّربان العقيمان في قياس الّتي قبلها ، ويعقم منه الضربان المنتجان في قياس التي قبلها . فتبين أن استثناء نقيض كل واحد من الطّرفين في قياس هذه الأخيرة ينتج عين الآخر ، وأنّ استثناء عين الواحد منهما لا ينتج شيئا . فقولنا في المثال السّابق : الجسم إمّا غير أبيض وإمّا غير أسود لو قلت فيه لكنّه أبيض أنتج ، فهو غير أسود . ولو قلت : لكنّه أسود أنتج فهو غير أبيض ، بخلاف ما لو قلت : لكنّه