الشنقيطي

286

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

غير أبيض فلا ينتج نفي الطّرف الآخر ولا وجوده ، لأنّ غير الأبيض يجوز أن يكون أسود ، ويجوز أن يكون غير أسود بل أحمر أو أصفر ؛ وكذلك لو قلت : لكنّه غير أسود لم يلزم منه نفي الطّرف الآخر ولا إثباته ، لأنّ غير الأسود يجوز أن يكون أبيض وغير أبيض لكونه أحمر مثلا - هذه خلاصة موجزة عن هذا الدّليل المذكور في نظر المنطقيّين . المسألة الخامسة اعلم أنّ لهذا الدّليل آثارا تاريخيّة ، وسنذكر هنا إن شاء اللّه بعضها . فمن ذلك - أنّ هذا الدّليل العظيم جاء في التّاريخ : أنّه أوّل سبب لضعف المحنة العظمى على المسلمين في عقائدهم بالقول بخلق القرآن العظيم . وذلك أنّ محنة القول بخلق القرآن نشأن في أيّام المأمون ، واستفحلت جدّا في أيام المعتصم ، واستمرّت على ذلك في أيام الواثق . وهي في جميع ذلك التّاريخ قائمة على ساق وقدم . ومعلوم ما وقع فيها من قتل بعض أهل العلم الأفاضل وتعذيبهم ، واضطرار بعضهم إلى المداهنة بالقول خوفا . ومعلوم ما وقع فيها لسيد المسلمين في زمنه « الإمام أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل » تغمده اللّه برحمته الواسعة ، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا من الضّرب المبرح أيّام المعتصم . وقد جاء أنّ أوّل مصدر تاريخيّ لضعف هذه المحنة وكبح جماحها هو هذا الدليل العظيم . قال الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد في الكلام على ترجمة « أحمد بن أبي دؤاد » : أخبرنا محمد بن الفرج بن علي البزّار ، أخبرنا عبد اللّه بن إبراهيم بن ماسي ، حدثنا جعفر بن شعيب الشّاشي ، حدثني محمّد بن يوسف الشّاشي ، حدّثني إبراهيم بن منبه قال : سمعت طاهر بن خلف يقول : سمعت محمّد بن الواثق الذي يقال له المهتدي باللّه يقول : كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس ، فأتى بشيخ مخضوب مقيّد فقال أبي : ائذنوا لأبي عبد اللّه وأصحابه ( يعني ابن أبي دؤاد ) قال : فأدخل الشيخ والواثق في مصلّاه فقال : السّلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال له : لا سلّم اللّه عليك ! فقال : يا أمير المؤمنين ، بئس ما أدّبك مؤدّبك ! قال اللّه تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها واللّه ما حيّيتني بها ولا بأحسن منها . فقال ابن أبي دؤاد : يا أمير المؤمنين ، الرّجل متكلّم . فقال له : كلّمه . فقال : يا شيخ ، ما تقول في القرآن ؟ قال الشيخ : لم تنصفني ( يعني ولي السّؤال ) فقال له : سل : فقال له الشيخ : ما تقول في القرآن ؟ فقال مخلوق : فقال : هذا شيء علمه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ والخلفاء الراشدون ؟ أم شيء لم يعلموه ؟ فقال : شيء لم يعلموه . فقال : سبحان اللّه ! شيء لم يعلمه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا