الشنقيطي
28
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تدل على أن باب الكهف كان من نحو الشمال ، قال : لأنه تعالى أخبر بأن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزوار عنه ذات اليمين ، أي يتقلص الفيء يمنة . كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة : تزاور أي تميل ، « 1 » وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في ذلك المكان ؛ ولهذا قال تعالى وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية الشرق ، فدل على صحة ما قلناه وهذا بين لمن تأمله ، وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب . وبيانه - أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب . ولو كان من ناحية القبلة لما دخل إليه منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب . ولا تزوار الفيء يمينا وشمالا . ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع ، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب ، فتعين ما ذكرناه ، وللّه الحمد . انتهى كلام ابن كثير . وقال الفخر الرازي في تفسيره : أصحاب هذا القول قالوا إن باب الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال ، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف ، وإذا غربت كانت على شماله ، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل إليه . انتهى كلام الرازي . وقال أبو حيان في تفسير هذه الآية : وهذه الصفة مع الشمس تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب ، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاوية . وقال عبد اللّه بن مسلم : كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش ، وعلى هذا كان أعلى الكهف مستورا من المطر . قال ابن عطية : كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب ، اختار اللّه لهم مضجعا متسعا في مقنأة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم . انتهى الغرض من كلام أبو حيان . والمقنأة : المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ، وإلى غير ذلك من أقوال العلماء . والقول الأول أنسب للقرينة القرآنية التي ذكرنا . وممن اعتمد القول الأول لأجل القرينة المذكورة - الزجاج ، ومال إليه بعض الميل الفخر الرازي والشوكاني في تفسيريهما ، لتوجيههما قول الزجاج المذكور بقرينة الآية المذكورة . وقال الشوكاني رحمه اللّه في تفسيره : ويؤيد القول الأول قوله تعالى : ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب ، بمعنى
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير وعن قتادة ، ابن جرير الطبري في جامع البيان 15 / 139 .