الشنقيطي

279

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بالذّكورة لقادح النّقض الّذي هو عدم الاطّراد . وكون العلّة الأنوثة يقتضي تحريم كلّ أنثى كما ذكرنا فيما قبله . وكون العلّة اشتمال الرّحم عليهما يقتضي تحريم الجمع . وإلى هذا الإبطال أشار تعالى بقوله : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ [ الأنعام : 143 ] أي فلو كانت العلّة الذّكورة لحرّم كلّ ذكر . ولو كانت الأنوثة لحرّمت كلّ أنثى . ولو كانت اشتمال الرّحم عليهما لحرّم الجميع . وكون ذلك تعبّديّا يقتضي أنّ اللّه وصّاكم به بلا واسطة ؛ إذ لم يأتكم منه رسول بذلك . فدلّ ذلك على أنّه باطل أيضا ، وأشار تعالى إلى بطلانه بقوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا [ الأنعام : 144 ] لمّ بيّن أنّ ذلك التّحريم بغير دليل من أشنع الظّلم ، وأنّه كذب مفتري وإضلال بقوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 144 ) [ الأنعام : 144 ] ثمّ أكّد عدم التّحريم في ذلك بقوله : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ الأنعام : 145 ] . والحاصل - أنّ إبطال جميع الأوصاف المذكورة دليل على بطلان الحكم المذكور كما أوضحنا . ومن أمثلة السّبر والتّقسيم في القرآن قوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) [ الطور : 35 ] فكأنه تعالى يقول : لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتّقسيم الصّحيح . الأولى - أن يكونوا خلقوا من غير شيء أي بدون خالق أصلا . الثّانية - أن يكونوا خلقوا أنفسهم . الثّالثة - أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم . ولا شكّ أنّ القسمين الأوّلين باطلان ، وبطلانهما ضروريّ كما ترى ، فلا حاجة إلى إقامة الدّليل عليه لوضوحه . والثّالث - هو الحقّ الّذي لا شكّ فيه ، وهو جلّ وعلا خالقهم المستحقّ منهم أن يعبدوه وحده جلّ وعلا . واعلم أنّ المنطقيّين والأصوليّين والجدليّين كلّ منهم يستعملون هذا الدّليل في غرض ليس هو غرض الآخر من استعماله ، إلّا أنّ استعماله عند الجدلييّن أعمّ من استعماله عند المنطقيّين والأصوليّين . المسألة الثانية [ مقصود الجدليّين من هذا الدّليل ] اعلم أنّ مقصود الجدليّين من هذا الدّليل معرفة الصّحيح والباطل من أوصاف محلّ النّزاع ، وهو عندكم يتركّب من أمرين : الأوّل - حصر أوصاف المحلّ . والثّاني - إبطال الباطل منها وتصحيح الصّحيح مطلقا ، وقد تكون باطلة كلّها فيتحقّق بطلان الحكم المستند إليها ، كآية قُلْ آلذَّكَرَيْنِ [ الأنعام : 143 ] المتقدّمة . وقد يكون بعضها باطلا وبعضها صحيحا : كآية « مريم والبقرة ، والطّور » الّتي قدّمنا إيضاح هذا الدّليل في كلّ واحدة منها . وهذا الدّليل أعمّ نفعا ، وأكثر فائدة على طريق الجدليّين منه على طريق الأصوليّين