الشنقيطي

280

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والمنطقيّين . المسألة الثالثة [ السّبر والتّقسيم عند الأصوليّين ] اعلم أنّ السّبر والتّقسيم عند الأصوليّين يستعمل في شيء خاص ، وهو استنباط علّة الحكم الشرعي بمسلك السّبر والتّقسيم . وضابط هذا الملك عند الأصوليّين أمران : الأوّل - هو حصر أوصاف الأصل المقيس عليه بطريق من طرق الحصر الّتي سنذكر بعضها إن شاء اللّه تعالى . والثّاني - إبطال ما ليس صالحا للعلّة بطريق من طرق الإبطال الّتي سنذكر أيضا بعضها إن شاء اللّه تعالى . وزاد بعضهم أمرا ثالثا - وهو الإجماع على أن حكم الأصل معلّل في الجملة لا تعبّديّ ، والجمهور لا يشترطون هذا الأخير ، والحاصل - أنّ هذا الدّليل يتركّب عند الأصوليّين من أمرين . الأوّل - حصر أوصاف المحلّ . والثّاني - إبطال ما ليس صالحا للعلّة ، فإن كان الحصر والإبطال معا قطعيّين فهو دليل قطعيّ ، وإن كانا ظنّيّين أو أحدهما ظنّيّا فهو دليل ظنّي . ومثال ما كان الحصر والإبطال فيه قطيعيّن قوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) [ الطور : 35 ] لأنّ حصر أوصاف المحلّ في الأقسام الثّلاثة قطعيّ لا شكّ فيه ، لأنّهم إمّا إن يخلقوا من غير شيء أو يخلقوا أنفسهم أو يخلقهم خالق غير أنفسهم . ولا رابع البتّة . وإبطال القسمين الأوّلين قطعيّ لا شكّ فيه : فيتعيّن أنّ الثّالث حقّ لا شكّ فيه ؛ وقد حذف في الآية لظهوره . فدلالة هذا السّبر والتّقسيم على عبادة اللّه وحده قطعيّة لا شكّ فيها ، وإن كان المثال بهذه الآية للقطعيّ من هذا الدّليل إنّما يصحّ على المراد به عند الجدليّين دون الأصوليّين ، لأنّ المراد التّمثيل للقطعي من هذا الدّليل ولو بمعناه الأعمّ ، والقطعيّ منه لا يمكن الاختلاف فيه . وأمّا الظّنّي فإنّ العلماء يختلفون فيه لاختلاف ظنون المجتهدين عند نظرهم في المسائل . وقد اختلفوا في الرّبا في أشياء كثيرة كالتّفاح ونحوه . والنّورة ونحوها بسبب اختلافهم في إبطال ما ليس بصالح فيقول بعضهم : هذا وصف يصحّ إبطاله ، ويقول الآخر : هو ليس بصالح فيلزم إبطاله كقولهم مثلا في حصر أوصاف البرّ الّذي هو الأصل مثلا المحرم فيه الرّبا إذا أريد قياس الذّرة عليه مثلا ، أمّا أن يكون علّة تحريم الرّبا في البرّ الكيل أو الطّعم أو الاقتيات والادّخار أو هما وغلبة العيش به أو الماليّة والملكيّة يقول المالكيّ غير الاقتيات والادّخار باطل ، ويدّعى أنّ دليل بطلانه عدم الاطّراد الّذي هو النّقض . ويقول الحنفي والحنبلي غير الكيل من تلك الأوصاف باطل ، والكيل هو العلّة هي مناط الحكم ، ويستدلّ على ذلك بأحاديث كحديث حيّان بن عبيد اللّه عند الحاكم ، وفيه بعد ذكر الستة الّتي يمنع فيها الرّبا ؛ وكذلك كلّ ما يكال أو يوزن وبالحديث الصّحيح الّذي فيه . وكذلك الميزان كما قدّمناه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على آية الرّبا . ويقول الشّافعي غير الطّعم باطل ، والعلّة في تحريم الرّبا في البرّ الطّعم ، ويستدلّ بحديث معمر بن عبد اللّه عند مسلم « الطّعام بالطّعام مثلا بمثل » الحديث