الشنقيطي
260
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الصحة . وقال شارحه المناوي : قال الحاكم صحيح على شرطهما وأقرّه الذّهبي . وقال الهيثميّ رجال أحمد رجال الصّحيح ا ه قوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) [ 66 - 67 ] . قال بعض أهل العلم : نزلت هذه الآية في أبي بن خلف ، وجد عظاما بالية ففتّتها بيده وقال : زعم محمّد أنّا نبعث بعد الموت ؟ قاله الكلبيّ ، وذكره الواحديّ والثّعلبيّ . وقال المهدويّ : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وأصحابه ، وهو قول ابن عبّاس . وقيل : نزلت في العاص بن وائل . وقيل : في أبي جهل ، وعلى كلّ واحد من هذه الأقوال فقد أسند تعالى هذا القول لجنس الإنسان وهو صادر من بعض أفراد الجنس ، لأنّ من أساليب العربيّة إسناد الفعل إلى المجموع ، مع أنّ فاعله بعضهم لا جميعهم . ومن أظهر الأدلّة القرآنيّة في ذلك قراءة حمزة والكسائيّ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : 191 ] من القتل في الفعلين ، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدّم مرارا . ومن أظهر الشّواهد العربيّة في ذلك قول الفرزدق : فسيف بني عبس وقد ضربوا به * نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد فقد أسند الضرب إلى بني عبس ، مع أنّه صرّح بأنّ الضّارب الّذي بيده السّيف هو ورقاء وهو ابن زهير بن جذيمة العبسيّ . وخالد هو ابن جعفر الكلابيّ . وقصّة قتله لزهير المذكور مشهورة . وقد بيّن في هذه الآية : أي هذا الإنسان الكافر يقول منكرا البعث : أئذا متّ لسوف أخرج حيّا ، زعما منه أنّه إذا مات لا يمكن أن يحيا بعد الموت . وقد ردّ اللّه عليه مقالته هذه بقوله : أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) يعني : أيقول الإنسان مقالته هذه في إنكار البعث ، ولا يذكر أنّا أوجدناه الإيجاد الأول ولم يك شيئا ، بل كان عدما فأوجدناه ، وإيجادنا له المرّة الأولى دليل قاطع على قدرتنا على إيجاده بالبعث مرّة أخرى . وهذا البرهان الّذي أشار له هنا قد قدّمنا الآيات الدّالّة عليه في سورة « البقرة والنّحل » وغيرهما ، كقوله تعالى : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) [ يس : 78 - 79 ] ، وقوله تعالى : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) [ ق : 15 ] ، وقوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) [ الواقعة : 62 ] ، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] الآية وقوله : فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الإسراء : 51 ] ، وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] الآية . وقوله تعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) [ الأنبياء : 104 ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدّم إيضاحه .