الشنقيطي

261

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وفي الحديث الصّحيح الّذي يرويه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربّه : « يقول اللّه تعالى كذّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذّبني ، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني . أمّا تكذيبه إيّاي فقوله لن يعيدني كما بدأني ؛ وليس أوّل الخلق أهون عليّ من آخره . وأمّا أذاه إيّاي فقوله إنّ لي ولدا وأنا الأحد الصّمد الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد » . فإن قيل : أين العامل في الظّرف الّذي هو ( إذا ) فالجواب : أنّه منصوب بفعل مضمر دلّ عليه جزاء الشّرط ؛ وتقديره : أأخرج حيّا إذا ما متّ أي حين يتمكّن فيّ الموت والهلاك أخرج حيّا . يعني لا يمكن ذلك . فإن قيل : لم لا تقول بأنّه منصوب ب أُخْرَجُ المذكور في قوله لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا على العادة المعروفة ، من أنّ العامل في ( إذا ) هو جزاؤا ؟ فالجواب : أنّ لام الابتداء في قوله : لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها كما هو معلوم في علم العربيّة . فلا يجوز أن تقول : اليوم لزيد قائم ؛ تعني لزيد قائم اليوم . وما زعمه بعضهم من أنّ حرف التّنفيس الّذي هو سوف مانع من عمل ما بعده فيما قبله أيضا ، حتى إنّه على قراءة طلحة بن مصرف ا إذا ما مت سأخرج حيا بدون اللام يمتنع نصب ( إذا ) ب أُخْرَجُ المذكورة ؛ فهو خلاف التّحقيق . والتّحقيق أنّ حرف التّنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله . ودليله وجوده في كلام العرب ؛ كقول الشّاعر : فلمّا رأته آمنا هان وجدها * وقالت أبونا هكذا سوف يفعل فقوله « هكذا » منصوب بقوله « يفعل » كما أوضحه أبو حيّان في البحر . وعليه فعلى قراءة طلحة بن مصرف فقوله : ( إذا ) منصوب بقوله فَأَخْرَجَ لعدم وجود اللام فيها وعدم منع حرف التّنفيس من عمل ما بعده فيما قبله . تنبيه فإن قلت : لام الابتداء الدّاخلة على المضارع تعطي معنى الحال ، فكيف جامعت حرف التّنفيس الدّالّ على الاستقبال ؟ فالجواب : أنّ الّلام هنا جرّدت من معنى الحال ، وأخلصت لمعنى التّوكيد فقط . ولذلك جامعت حرف الاستقبال كما بيّنه الزّمخشريّ في الكشّاف ، وتعقّبه أبو حيّان في البحر المحيط بأنّ من علماء العربيّة من يمنع أنّ الّلام المذكورة تعطي معنى الحال ، وعلى قوله يسقط الإشكال من أصله . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) [ 68 ] . لما أقام اللّه جلّ وعلا البرهان على البعث بقوله : أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) [ مريم : 67 ] أقسم جلّ وعلا بنفسه الكريمة ، أنّه يحشرهم أي الكافرين