الشنقيطي

233

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : وكل هذه الأقوال تدخل في الآية ؛ لأن تأخيرها عن وقتها ، وعدم إقامتها في الجماعة ، والإخلال بشروطها ، وجحد وجوبها ، وتعطيل المساجد منها - كل ذلك إضاعة لها ، وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت ، واختلف العلماء أيضا في الخلف المذكورين من هم ؟ فقيل : هم اليهود . ويروى عن ابن عباس ومقاتل . وقيل : هم اليهود والنصارى ، ويروى عن السدي . وقيل : هم قوم من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يأتون عند ذهاب الصالحين منها ، يركب بعضهم بعضا في الأزقة زنى . ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي . وقيل : إنهم البربر ، وقيل : إنهم أهل الغرب . وفيهم أقوال أخر . قال مقيده عفا اللّه عنه : وكونهم من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بوجيه عندي ؛ لأن قوله تعالى : * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي ، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى . والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية ، فأضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية ، واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، وعن علي رضي اللّه عنه : من بني المشيد ، وركب المنظور ، ولبس المشهور - فهو ممن اتبع الشهوات . وقوله تعالى : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) [ 59 ] . اعلم أولا أن العرب تطلق الغي على كل شر . والرشاد على كل خير . قال المرقش الأصغر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما فقوله « ومن يغو » يعني ومن يقع في شر . والإطلاق المشهور هو أن الغي الضلال . وفي المراد بقوله « غيا » في الآية أقوال متقاربة ، منها - أن الكلام على حذف مضاف ، أي فسوف يلقون جزاء غي ، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ضلالهم . وممن قال بهذا القول : الزجاج . ونظير هذا التفسير قوله تعالى : يَلْقَ أَثاماً ( 68 ) [ الفرقان : 68 ] عند من يقول إن معناه يلق مجازاة أثامه في الدنيا ، ويشبه هذا المعنى قوله تعالى : إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ النساء : 10 ] ، وقوله : أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ [ البقرة : 174 ] ؛ فأطلق النار على ما أكلوا في بطونهم في الدنيا من المال الحرام لأنها جزاؤه ؛ كما أطلق الغي والأثام على العذاب لأنه جزاؤهما . ومنها - أن الغي في الآية الخسران والحصول في الورطات . وممن روى عنه هذا القول : ابن عباس ، وابن زيد . وروي عن ابن زيد أيضا « غيا » أي شرا أو ضلالا أو خيبة . وقال بعضهم : إن المراد بقوله « غيا » في الآية : واد في جهنم من قيح ، لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم ، وهو بعيد القعر خبيث الطعم .