الشنقيطي

234

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وممن قال بهذا ابن مسعود ، والبراء بن عازب . وروي عن عائشة ، وشفي بن ماتع . وجاء حديث مرفوع بمقتضى هذا القول من حديث أبي أمامة وابن عباس فيه : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن غيا واد في جهنم » « 1 » كما في حديث ابن عباس . وفي حديث أبي أمامة : أن غيا ، وأثاما : نهران في أسفل جهنم ، يسيل فيهما صديد أهل النار . والظاهر أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد ذكر ابن كثير « 2 » في تفسير هذه الآية حديث أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي الذي أشرنا له آنفا ، ثم قال : هذا حديث غريب ورفعه منكر . وقيل : إن المعنى فسوف يلقون غيا أي ضلالا في الآخرة عن طريق الجنة ، ذكره الزمخشري . وفيه أقوال أخر ، ومدار جميع الأقوال في ذلك على شيء واحد ، وهو : أن أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات سوف يلقون يوم القيامة عذابا عظيما . فإذا عرفت كلام العلماء في هذه الآية الكريمة ، وأن اللّه تعالى توعد فيها من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي الذي هو الشر العظيم والعذاب الأليم . فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله في ذم الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ( 6 ) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ( 7 ) [ الماعون : 4 - 7 ] ، وقوله في ذم المنافقين : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( 142 ) [ النساء : 142 ] ، وقوله فيهم أيضا : وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ ( 54 ) [ التوبة : 54 ] . وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات وتهديدهم ، كقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ( 12 ) [ محمد : 12 ] ، وقوله تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 3 ) [ الحجر : 3 ] ، وقوله تعالى : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ( 46 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) [ المرسلات : 47 ] إلى غير ذلك من الآيات . ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة : أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة ، ولا يتبعون الشهوات ، وقد أشار تعالى إلى هذا في مواضع من كتابه ؛ كقوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) - إلى قوله - وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 9 ) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 ) [ المؤمنون : 1 - 11 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وكقوله : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) [ النازعات : 40 - 41 ] إلى غير ذلك من الآيات . مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة :

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 75 . ( 2 ) التفسير 3 / 129 .