الشنقيطي
232
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
رضي اللّه عنه أنه قرأ هذه الآية من سورة « مريم » فسجد وقال : هذا السجود ، فأين البكى ؟ يريد البكاء . وهذا الموضع من عزائم السجود بلا خلاف بين العلماء في ذلك . قوله تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ( 60 ) [ 59 - 60 ] . الضمير في قوله « من بعدهم » راجع إلى النبيين المذكورين في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [ مريم : 58 ] الآية . أي فخلف من بعد أولئك النبيين خلف ، أي أولاد سوء . قال القرطبي رحمه اللّه في تفسير سورة « الأعراف » قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام - : الأولاد ، الواحد والجمع فيه سواء . والخلف - بفتح اللام - البدل ولدا كان أو غريبا . وقال ابن الأعرابي : الخلف - بالفتح - الصالح . وبالسكون : الطالح . قال لبيد : ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب ومنه قيل للرديء من الكلام : خلف ؛ ومنه المثل السائر « سكت ألفا ونطق خلفا » . فخلف في الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح في المدح . هذا هو المستعمل المشهور ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له » وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر ؛ قال حسان بن ثابت رضي اللّه عنه : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا * لأولنا في طاعة اللّه تابع وقال آخر : إنا وجدنا خلفا بئس الخلف * أغلق عنا بابه ثم حلف لا يدخل البواب إلا من عرف * عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف ويروى خلف ، أي ردم - انتهى منه . والردم : الضراط . ومعنى الآية الكريمة : أن هذا الخلف السئ الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة : أنهم أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات . واختلف أهل العلم في المراد بإضاعتهم الصلاة ، فقال بعضهم : المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها . وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود ، والنخعي ، والقاسم بن مخيمرة ، ومجاهد ، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية : إن هذا القول هو الصحيح . وقال بعضهم : إضاعتها الإخلال بشروطها ، وممن اختار هذا القول الزجاج ، وقال بعضهم : المراد بإضاعتها جحد وجوبها ؛ ويروى هذا القول وما قبله عن محمد بن كعب القرظي ، وقيل : إضاعتها في غير الجماعات . وقيل : إضاعتها تعطيل المساجد ، والاشتغال بالصنائع والأسباب .