الشنقيطي

227

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بعضهم : لا يلزم مطلقا . وقال بعضهم : إن أدخله بالوعد في ورطة لزم الوفاء به ، وإلا فلا . ومثاله - ما لو قال له : تزوج . فقال له : ليس عندي ما أصدق به الزوجة . فقال : تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفعه عنك ، فتزوج على هذا الأساس ، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام الصداق . واحتج من قال يلزمه : بأدلة منها آيات من كتاب اللّه دلت بظواهر عمومها على ذلك وبأحاديث . فالآيات كقوله تعالى : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا ( 34 ) [ الإسراء : 34 ] ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] الآية ، وقوله تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها [ النحل : 91 ] الآية ، وقوله هنا : إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [ مريم : 54 ] الآية ، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث كحديث « العدة دين » فجعلها دينا دليل على لزومها . قال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس : « العدة دين ، رواه الطبراني في الأوسط والقضاعي وغيرهما عن ابن مسعود بلفظ قال : لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « العدة دين » ورواه أبو نعيم عنه بلفظ : إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له : فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وذكره بلفظ « عطية » ورواه البخاري في الأدب المفرد موقوفا ، ورواه الطبراني والديلمي عن علي مرفوعا بلفظ : « العدة دين . ويل لمن وعد ثم أخلف . ويل له . . » ثلاثا . ورواه القضاعي بلفظ الترجمة فقط . والديلمي أيضا بلفظ : « الوعد بالعدة مثل الدين أو أشد » أي وعد الواعد . وفي لفظ له « عدة المؤمن دين . وعدة المؤمن كالأخذ باليد » . وللطبراني في الأوسط عن قباث بن أشيم الليثي مرفوعا : « العدة عطية » . وللخرائطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلا : أن امرأة سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا فلم تجد عنده ، فقالت : عدني . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن العدة عطية » وهو في مراسيل أبي داود . وكذا في الصمت لابن أبي الدنيا عن الحسن : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « العدة عطية » . وفي رواية لهما عن الحسن أنه قال : سأل رجل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا ، فقال : « ما عندي ما أعطيك » قال : في المقاصد بعد ذكر الحديث وطرقه : وقد أفردته مع ما يلائمه بجزء - انتهى منه . وقد علم في الجامع الصغير على هذا الحديث من رواية علي عند الديلمي في مسند الفردوس بالضعف . وقال شارحه المناوي : وفيه دارم بن قبيصة ، قال الذهبي : لا يعرف ا ه . ولكن قد مر لك أن طرقه متعددة . وقد روي عن غير علي من الصحابة كما قدمنا روايته عن ابن مسعود ، وقباث بن أشيم الكناني الليثي رضي اللّه عنهما . وسيأتي في هذا المبحث إن شاء اللّه أحاديث صحيحة ، دالة على الوفاء بالوعد . واحتج من قال : بأن الوعد لا يلزم الوفاء به بالإجماع - على أن من وعد رجلا بمال إذا فلس الواعد لا يضرب للموعود بالوعد مع الغرماء ، ولا يكون مثل ديونهم اللازمة بغير الوعد ، حكى الإجماع على هذا ابن عبد البر ؛ كما نقله عنه القرطبي في تفسير هذه الآية