الشنقيطي

226

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ ( 11 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 16 ) [ الشعراء : 10 - 16 ] فهذه الآيات تبين أنه سأل ربه أن يرسل معه أخاه ، فأجاب ربه جل وعلا سؤاله في ذلك . وذلك يبين أن الهبة في قوله : وَوَهَبْنا هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون ، لأن هارون أكبر من موسى ، كما قاله أهل التاريخ . قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا ( 54 ) [ 54 ] . أمر اللّه جل وعلا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة - أن يذكر في الكتاب وهو هذا القرآن العظيم ( جده إسماعيل ) ، وأثنى عليه أعني إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا . ومما يبين من القرآن شدتة صدقه في وعده : أنه وعد أباه بصبره له على ذبحه ثم وفي بهذا الوعد . ومن وفى بوعده في تسليم نفسه للذبح فإن ذلك من أعظم الأدلة على عظيم صدقه في وعده ؛ قال تعالى : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) [ الصافات : 102 ] فهذا وعده . وقد بين تعالى وفاءه به في قوله : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) [ الصافات : 103 ] الآية . والتحقيق أن الذبيح هو إسماعيل . وقد دلت على ذلك آيتان من كتاب اللّه تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها . وسنوضح ذلك إن شاء اللّه غاية الإيضاح في سورة « الصافات » . وثناؤه جل وعلا في هذه الآية الكريمة على نبيه إسماعيل بصدق الوعد يفهم من دليل خطابه - أعني مفهوم مخالفته - أن إخلاف الوعد مذموم . وهذا المفهوم قد جاء مبينا في مواضع أخر من كتاب اللّه تعالى ؛ كقوله تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا [ التوبة : 77 ] وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( 3 ) [ الصف : 2 - 3 ] إلى غير ذلك من الآيات . وفي الحديث : « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » . وقوله تعالى في هذه الآية : وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ، قد بين في مواضع أخر - أن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم كان يفعل ذلك الذي أثنى اللّه به على جده إسماعيل ، كقوله تعالى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [ طه : 132 ] . . الآية . ومعلوم أنه امتثل هذا الأمر . وكقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] الآية . ويدخل في ذلك أمرهم أهليهم بالصلاة والزكاة ؛ إلى غير ذلك من الآيات . مسألة اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد ؛ فقال بعضهم : يلزم الوفاء به مطلقا . وقال