الشنقيطي
208
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي في مهده أنه عبد اللّه ، وفي ذلك أعظم زجر للنصارى عن دعواهم أنه اللّه ، أو ابنه أو إله معه ! وهذه الكلمة التي نطق بها عيسى في أول خطابه لهم ذكرها اللّه جل وعلا عنه في مواضع أخر ؛ كقوله تعالى : وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 72 ] وقوله في « آل عمران » : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) [ آل عمران : 51 ] ، وقوله في « الزخرف » فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 64 ) [ الزخرف : 63 - 64 ] ، وقوله هنا في سورة « مريم » : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) [ مريم : 36 ] ، وقوله : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ] . الآية ؛ إلى غير ذلك من الآيات . وقوله في هذه الآية الكريمة : آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) التحقيق فيه إن شاء اللّه : أنه عبر بالماضي عما سيقع في المستقبل تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع . ونظائره في القرآن كثيرة ؛ كقوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل : 1 ] ، وقوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 ) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 ) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ إلى قوله وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الزمر : 68 - 71 ] . وقوله تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ [ الزمر : 73 ] . فهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل ؛ تنزيلا لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل ، ونظائرها كثيرة في القرآن . وهذا الذي ذكرنا - من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى : آتانِيَ الْكِتابَ الخ بمعنى المستقبل هو الصواب إن شاء اللّه . خلافا لمن زعم أنه نبّىء وأوتي الكتاب في حال صباه لظاهر اللفظ . وقوله وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أي كثير البركات ؛ لأنه يعلم الخير ويدعو إلى اللّه ، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه . وقال الزمخشري « 1 » في تفسير هذه الآية مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ : عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نفاعا حيث كنت . وقال ابن حجر في ( الكافي الشاف ) : أخرجه أبو نعيم ( في الحلية ) في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة بهذا وأتم . وقال : تفرد به هشيم عن يونس ، وعنه شعيب بن محمد الكوفي ، ورواه ابن مردويه عن هذا الوجه ا ه . وقوله في هذه الآية الكريمة وَبَرًّا بِوالِدَتِي قال الحوفي وأبو البقاء : هو معطوف على قوله وَجَعَلَنِي مُبارَكاً [ مريم : 31 ] . وقال أبو حيان ( في البحر ) : وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي « أوصاني » ومتعلقها ؛ والأولى أنه منصوب بفعل مضمر ؛ أي وجعلني برا بوالدتي . ولما قال بوالدتي ولم يقل بوالدي - علم أنه أمر من قبل
--> ( 1 ) الكشاف 2 / 508 .