الشنقيطي
182
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ مريم لما بشّرها جبريل بالغلام الزكي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قالت : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي كيف ألد غلاما والحال أني لم يمسسني بشر . تعني لم يجامعني زوج بنكاح ، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) ، أي لم أك زانية . وإذا انتفى عنها مسيس الرجال حلالا وحراما فكيف تحمل . والظاهر أنّ استفهامها استخبار واستعلام عن الكيفية التي يكون فيها حمل الغلام المذكور ، لأنها مع عدم مسيس الرجال لم تتضح لها الكيفية . ويحتمل أن يكون استفهامها تعجب من كمال قدرة اللّه تعالى ، وهذا الذي ذكر اللّه جل وعلا عنها : أنّها قالته هنا ذكره عنها أيضا في سورة « آل عمران » في قوله تعالى : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 ) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [ آل عمران : 45 - 47 ] . واقتصارها في آية « آل عمران » على قولها وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يدل على أن مسيس البشر المنفي عنها شامل للمسيس بنكاح والمسيس بزنى . كما هو الظاهر . وعليه فقولها في سورة « مريم » : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) يظهر فيه أنّ قولها « وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا » : تخصيص بعد تعميم ؛ لأن مسيس البشر يشمل الحلال والحرام . وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى هنا إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) : جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه ؛ كقوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [ البقرة : 237 ] . أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء : 43 ] والزنى ليس كذلك ، إنما يقال فيه : فجر بها ، وخبث بها وما أشبه ذلك . وليس بقمن أن تراعي فيه الكنايات والآداب ا ه . والأظهر الأول . وآية آل عمران تدل عليه . ويؤيده أن لفظة « بشر » نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر : فينتفي مسيس كل بشر كائنا من كان ، والبغي : المجاهرة المشتهر بالزنى . ووزنه فعول عند المبرد ، اجتمعت فيه واو وياء سبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبلها لأجل الياء كما كسرت في عصى ودلى جمع عصا ودلو . كما قدمنا هذا مرارا . والقائل بأن أصلي البغي فعول ، يقول : لو كان أصله فعيلا للحقته هاء التأنيث ، لأنها لازمة في فعيل بمعنى فاعل . وقال ابن جني في كتاب التمام : أصل البغي على وزن فعيل ، ولو كان فعولا لقيل بغو ؛ كما قيل : فلان نهو عن المنكر . وعلى هذا القول فقد يجاب عن عدم لحوق تاء التأنيث : بأن البغي وصف مختص بالإناث . والرجل يقال فيه باغ لا بغي ؛ كما قاله أبو حيان في البحر . والأوصاف المختصة بالإناث لا تحتاج إلى تاء الفرق بين الذكر والأنثى كحائض ؛ كما عقده ابن مالك في الكافية بقوله : وما من الصفات بالأنثى يخص * عن تاء استغنى لأن اللفظ نص قوله تعالى : قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [ 21 ] .