الشنقيطي

183

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قد قدمنا تفسير هذه الآية مستوفى في قصة زكريا ، فأغنى عن إعادته هنا . وقول جبريل لمريم في هذه الآية : كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي وستلدين ذلك الغلام المبشّر به من غير أن يمسك بشر ، وقد أشار تعالى إلى معنى هذه الآية في سورة « آل عمران » في قوله : قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 ) [ آل عمران : 47 ] . قوله تعالى : وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) [ 21 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ من حكم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية للناس ؛ أي علامة دالّة على كمال قدرته . وأنّه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء : إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى . وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء ؛ كما نص على ذلك في قوله : وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [ النساء : 1 ] أي خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء . وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معا كما فعل بآدم . وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى كما فعل بسائر بني آدم . فسبحان اللّه العظيم القادر على كل شيء ؟ وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من كونه جعل عيسى آية حيث ولدته أمه من غير زوج أشار له أيضا في « الأنبياء » بقوله : وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 91 ) [ الأنبياء : 91 ] ، وفي « الفلاح » بقوله : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما [ المؤمنون : 50 ] الآية . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ فيه حذف دل المقام عليه . قال الزمخشري في الكشاف : وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ تعليل معلله محذوف ؛ أي ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك . أو هو معطوف على تعليل مضمر ، أي لنبيّن به قدرتنا ولنجعله آية . ونحوه وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الجاثية : 22 ] ، وقوله : وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ [ يوسف : 21 ] ا ه . وقوله في هذه الآية وَرَحْمَةً مِنَّا أي لمن آمن به . ومن كفر به فلم يبتغ الرحمة لنفسه ، كما قال تعالى في نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : 107 ] ، وقوله تعالى : نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ أي وكان وجود ذلك الغلام منك أمرا مقضيا ، أي مقدرا في الأزل ، مسطورا في اللوح المحفوظ لا بد من وقوعه ، فهو واقع لا محالة . قوله تعالى : فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) [ 22 - 23 ] .