الشنقيطي

174

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بمواعظه ، إلى غير ذلك من جهات العمل به . وعامّة المفسرين على أن المراد بالكتاب هنا : التوراة . وحكى غير واحد عليه الإجماع . وقيل : هو كتاب أنزل على يحيى ، وقيل : هو اسم جنس يشمل الكتب المقدمة . وقيل : هو صحف إبراهيم . والأظهر قول الجمهور : إنه التوراة كما قدّمنا . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ أي أعطيناه الحكم ، وللعلماء في المراد بالحكم أقوال متقاربة ، مرجعها إلى شيء واحد ، وهو أن اللّه أعطاه الفهم في الكتاب ؛ أي إدراك ما فيه والعمل به في حال كونه صبيا . قال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) أي الفهم والعلم والجد والعزم ، والاقبال على الخير والإكباب عليه ، والاجتهاد فيه - وهو صغير حدث . قال عبد اللّه بن المبارك قال معمر : قال الصبيان ليحيى بن زكريا : اذهب بنا نلعب ، فقال : ما للعب خلقنا ! فلهذا أنزل اللّه وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) . وقال ابن جرير الطبري رحمه اللّه « 1 » في تفسير هذه الآية الكريمة وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) يقول تعالى ذكره : وأعطيناه الفهم بكتاب اللّه في حال صباه قبل بلوغه أسنان للرجال . وقد حدثنا أحمد بن منيع قال حدثنا عبد اللّه بن المبارك قال : أخبرني معمر ولم يذكره عن أحد في هذه الآية : « وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » قال بلغني أنّ الصبيان قالوا ليحيى : اذهب بنا نلعب . فقال : ما للعب خلقنا ، فأنزل اللّه وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وقال الزمخشري في الكشاف وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ أي الحكمة ، ومنه قول نابغة ذبيان : واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت * إلى حمام سراع وارد الثمد وقال أبو حيان في البحر في تفسير هذه الآية : والحكم النبوة ، أو حكم الكتاب ، أو الحكمة ، أو العلم بالأحكام . أو اللب وهو العقل ، أو آداب الخدمة ، أو الفراسة الصادقة . أقوال : قال مقيّده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي - هو أنّ الحكم يعلم النافع والعمل به ، وذلك بفهم الكتاب السماوي فهما صحيحا ، والعمل به حقا ، فإن هذا يشمل جميع أقوال العلماء في الآية الكريمة . وأصل معنى « الحكم » المنع ، والعلم النافع . والعمل به يمنع الأقوال والأفعال من الخلل والفساد والنقصان . وقوله تعالى : صَبِيًّا أي لم يبلغ ، وهو الظاهر . وقيل : صبيا أي شابا لم يبلغ سن الكهولة - ذكره أبو حيان وغيره ، والظاهر الأول . قيل ابن ثلاث سنين ، وقيل ابن سبع ، وقيل ابن سنتين . واللّه أعلم . وقوله في هذه الآية الكريمة وَحَناناً معطوف على الْحُكْمَ أي وآتيناه حنانا من

--> ( 1 ) جامع البيان 16 / 42 ، 43 .