الشنقيطي

175

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لدنّا . والحنان : هو ما جبل عليه من الرحمة ، والعطف والشفقة . وإطلاق الحنان على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب ، ومنه قولهم : حنانك وحنانيك يا رب ، بمعنى رحمتك . ومن هذا المعنى قول امرئ القيس : أبنت الحارث الملك بن عمرو * له ملك العراق إلى عمان ويمنحها بنو شمجي بن جرم * معيزهم حنانك ذا الحنان يعني رحمتك يا رحمن ؛ وقول طرفة بن العبد : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقول منذر بن درهم الكلبي : وأحدث عهد من أمينة نظرة * على جانب العلياء إذ أنا واقف فقالت حنان ما أتى بك ها هنا * أذو نسب أم أنت بالحي عارف فقوله « حنان » أي أمري حنان ؛ أي رحمة لك ، وعطف وشفقة عليك وقول الحطيئة أو غيره : تحنن على هداك المليك * فإن لكل مقام مقالا وقوله تعالى : مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا ، وأصح التفسيرات في قوله « وزكاة » أنه معطوف على ما قبله أي أو أعطيناه زكاة ، أي طهارة من أدران الذنوب والمعاصي بالطاعة ، والتقرب إلى اللّه بما يرضيه : وقد قدمنا في سورة « الكهف » الآيات الدالة على إطلاق الزكاة في القرآن بمعنى الطهارة ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقال أبو عبد اللّه القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية « وزكاة » الزكاة : التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير ؛ أي جعلناه مباركا للناس يهديهم . وقيل المعنى : زكّيناه بحسن الثناء عليه كما يزكي الشهود إنسانا . وقيل « زكاة » صدقة على أبويه ؛ قاله ابن قتيبة - إنتهى كلام القرطبي . وهو خلاف التحقيق في معنى الآية . والتحقيق فيه إن شاء اللّه هو ما ذكرنا ، من أنّ المعنى : وأعطيناه زكاة أي طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي اللّه تعالى . وقول من قال من العلماء : بأن المراد بالزكاة في الآية العمل الصالح ، راجع إلى ما ذكرنا لأن العمل الصالح هو الذي به الطهارة من الذنوب والمعاصي . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَكانَ تَقِيًّا أي ممتثلا لأوامر ربه مجتنبا كل ما نهى عنه ؛ ولذا لم يعمل خطيئة قط ، ولم يلم بها ، قاله القرطبي وغيره عن قتادة وغيره . وفي نحو ذلك أحاديث مرفوعة ، والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعا ، إما بانقطاع ، وإما بعنعنة مدلس : وإما بضعف واو ، كما أشار له ابن كثير وغيره . وقد قدمنا معنى « التقوى » مرارا وأصل مادتها في اللغة العربية .