الشنقيطي
17
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 ) [ 10 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفة أصحاب الكهف - أنهم فتية ، وأنهم أووا إلى الكهف ، وأنهم دعوا ربهم هذا الدعاء العظيم الشامل لكل خير ، وهو قوله عنهم رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 ) . وبين في غير هذا الموضع أشياء أخرى من صفاتهم وأقوالهم ، كقوله : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ( 13 ) [ الكهف : 13 ] إلى قوله يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 ) [ الكهف : 16 ] و إِذْ في قوله هنا إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ منصوبة ب اذْكُرْ * مقدرا . وقيل : بقوله عَجَباً ( 9 ) [ الكهف : 9 ] ومعنى قوله إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ أي جلعوا الكهف مأوى لهم ومكان اعتصام . ومعنى قوله : آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي أعطنا رحمة من عندك . والرحمة هنا تشمل الرزق والهدى والحفظ مما هربوا خائفين منه من أذى قومهم ، والمغفرة . والفتية : جمع فتى جمع تكسير ، وهو من جموع القلة . ويدل لفظ الفتية على قلتهم ، وأنهم شباب لا شيب ، خلافا لما زعمه ابن السراج من : أن الفتية اسم جمع لا جمع تكسير . وإلى كون مثل الفتية جمع تكسير من جموع القلة - أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله : أفعلة أفعل ثم فعله * كذاك أفعال جموع قله والتهيئة : التقريب والتيسير : أي يسر لنا وقرب لنا من أمرنا رشدا . والرشد : الاهتداء والديمومة عليه . و مِنْ في قوله مِنْ أَمْرِنا فيها وجهان : أحدهما - أنها هنا للتجريد ، وعليه فالمعنى : اجعل لنا أمرنا رشدا كله ؛ كما تقول : لقيت من زيد أسدا . ومن عمرو بحرا . والثاني أنها للتبعيض ؛ وعليه فالمعنى : واجعل لنا بعض أمرنا ؛ أي وهو البعض الذي نحن فيه من مفارقة الكفار رشدا حتى نكون بسببه راشدين مهتدين . قوله تعالى فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 ) [ 11 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أنه ضرب على آذان أصحاب الكهف سنين عددا . ولم يبين قدر هذا العدد هنا ، ولكنه بينه في موضع آخر ؛ وهو قوله : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ( 25 ) [ الكهف : 25 ] . وضربه جل وعلا على آذانهم في هذه الآية كناية عن كونه أنامهم ومفعول « ضربنا »