الشنقيطي
168
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كتاب . والوحي في لغة العرب يطلق على كل إلقاء في سرعة وخفاء . ولذلك أطلق على الإلهام ، كما في قوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] الآية . وعلى الإشارة كما هو الظاهر في قوله تعالى : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا الآية . ويطلق على الكتابة كما هو القول الآخر في هذه الآية الكريمة . وإطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام العرب ، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته : فمدافع الريان عرى رسمها * خلقا كما ضمن الوحي سلامها فقوله « الوحي » بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء ، جمع وحي بمعنى الكتابة . وقول عنترة : كوحي صحائف من عهد كسرى * فأهداها لأعجم طمطمي وقول ذي الرمة : سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها * بقية وحي في بطون الصحائف وقول جرير : كأن أخا الكتاب يخط وحيا * بكاف في منازلها ولام قوله تعالى : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) [ 11 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن زكريا خرج على قومه من المحراب فأشار إليهم ، أو كتب لهم : أن سبحوا اللّه أول النهار وآخره . فالبكرة أول النهار ، والعشي آخره . وقد بين تعالى في « آل عمران » أن هذا الذي أمر به زكريا قومه بالإشارة أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشيا - أن اللّه أمر زكرياء به أيضا ، وذلك في قوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) [ آل عمران : 41 ] . والظاهر أن هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه المذكور في قوله تعالى : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ [ آل عمران : 39 ] . قال أبو عبد اللّه القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية : والمحراب : أرفع المواضع ، وأشرف المجالس . وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض ا ه . وقال الجوهري في صحاحه : قال الفراء المحاريب : صدور المجالس ، ومنه سمي محراب المسجد ، والمحراب : الغرفة . قال وضاح اليمن : ربة محراب إذا جئتها * لم ألقها أو أرتقي سلما ومن هذا المعنى قوله تعالى : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ [ آل عمران : 37 ] الآية .