الشنقيطي
169
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تنبيه أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة : مشروعية ارتفاع الإمام على المأمومين في الصلاة ؛ لأن المحراب موضع صلاة زكريا ، كما دل عليه قوله « وهو قائم يصلي في المحراب » . والمحراب أرفع من غيره ، فدل ذلك على ما ذكر . قال أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره : هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا عندهم . وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار ، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره ، متمسّكا بقصة المنبر . ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير . وعلّل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام . قلت : وهذا فيه نظر ، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام : أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان ؛ فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه ؛ فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا ، أو ينهى عن ذلك ؟ قال بلى ، ذكرت ذلك حين مددتني « 1 » . وروي أيضا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال : حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن ؛ فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر ، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة . فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة : ألم تسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا أم للرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم » أو نحو ذلك ؟ فقال عمار : لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي « 2 » . قلت : فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك ، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر ؛ فدل على أنه منسوخ ، ومما يدل على نسخه : أن فيه عملا زائدا في الصلاة وهو النزول والصعود ، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام . وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان معصوما من الكبر ؛ لأن كثيرا من الأئمة يوجدون لا كبر عندهم . ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرا ، واللّه أعلم . انتهى كلام القرطبي رحمه اللّه تعالى . قال مقيده عفا اللّه عنه : سنتكلم هنا إن شاء اللّه تعالى على الأحاديث المذكورة ، ونبين أقوال العلماء في هذه المسألة ، وأدلتهم وما يظهر رجحناه بالدليل . أما الحديثان اللذان ذكرهما القرطبي عن أبي داود فقد ساقهما أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن سنان وأحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي المعنى قال : ثنا يعلى ثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام : أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه ، إلى آخر الحديث « 3 » . ثم قال أبو داود رحمه اللّه : حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا حجاج
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الصلاة حديث 597 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الصلاة حديث 598 . ( 3 ) سبق تخريجه .