الشنقيطي

160

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الروايات التي أشار لها يشد بعضها . وقد تقرر في الأصول أن البيان يصح بكل ما يزيل الإشكال ولو قرينة أو غيرها كما قدمناه موضحا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، وعليه - فهذه الأحاديث التي ذكرنا تبين أن المقصود من قوله في الحديث المتفق عليه « لا نورث » أنه يعني نفسه ؛ كما قال عمر وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة . والبيان إرشاد ودلالة يصح بكل شيء يزيل اللبس عن النص من نص أو فعل أو قرينة أو غير ذلك . قال في مراقي السعود في تعريف البيان وما به البيان : تصيير مشكل من الجلي * وهو واجب على النبي إذا أريد فهمه وهو بما * من الدليل مطلقا يجلو العما وبهذا الذي قررنا تعلم : أن قوله هنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يعني وراثة العلم والدين لا المال . وكذلك قوله : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [ النمل : 16 ] الآية ؛ فتلك الوراثة أيضا وراثة علم ودين . والوراثة قد تطلق في الكتاب والسنة على وراثة العلم والدين ، كقوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [ فاطر : 32 ] الآية ، وقوله : وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 14 ) [ الشورى : 21 ] ، وقوله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ [ الأعراف : 169 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . ومن السنة الواردة في ذلك ما رواه أبو الدرداء رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « العلماء ورثة الأنبياء » وهو في المسند والسنن قال صاحب ( تمييز الطيب من الخبيث ، فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث ) : رواه أحمد « 1 » أبو داود « 2 » والترمذي « 3 » وآخرون « 4 » عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة « إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم » وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما - انتهى منه بلفظه . وقال صاحب ( كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ) : « العلماء ورثة الأنبياء » رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة « إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم . . » الحديث ، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما ، وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم لاضطراب سنده لكن له شواهد . ولذا قال الحافظ : له طرق يعرف بها أن الحديث أصلا ، ورواه الديلمي عن البراء بن عازب بلفظ الترجمة ا ه محل الغرض منه . والظاهر صلاحية هذا الحديث للاحتجاج لاعتضاد بعض طرقه ببعض . فإذا علمت ما ذكرنا من دلالة هذه الأدلة على أن الوراثة المذكورة في الآية وراثة علم ودين لا وراثة مال

--> ( 1 ) المسند 5 / 196 . ( 2 ) كتاب العلم حديث 3641 و 3642 . ( 3 ) كتاب العلم حديث 2682 . ( 4 ) أخرجه : ابن ماجة في المقدمة حديث 223 ، والدارمي في العلم باب في فضل العلم والعالم .