الشنقيطي
161
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فاعلم أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال : الأول - هو ما ذكرنا . والثاني - أنها وراثة مال ، والثالث : أنها وبالنسبة لآل يعقوب في قوله وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وراثة علم ودين . وهذا اختيار ابن جرير الطبري . وقد ذكر من قال : إن وراثته لزكريا وراثة مال حديثا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك أنه قال : « رحم اللّه زكريا ما كان عليه من ورثته » « 1 » أي ما يضره إرث ورثته لماله . ومعلوم أن هذا لم يثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والأرجح فيما يظهر لنا هو ما ذكرنا من أنها وراثة علم ودين ؛ للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما يدل على ذلك . وقد ذكر ابن كثير في تفسيره هنا ما يؤيد ذلك من أوجه . قال رحمه اللّه في تفسير قوله تعالى : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا فسأل اللّه ولدا يكون نبيا من بعده ؛ ليسوسهم بنبوته بما يوحى إليه فأجيب في ذلك ؛ لا أنه خشي من وراثتهم له ماله ؛ فإن النبي أعظم منزلة ، وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده ، وأن يأنف من وراثة عصباته له ، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم - وهذا وجه . الثاني - أنه لم يذكر أنه كان ذا مال ؛ بل كان نجارا يأكل من كسب يديه . ومثل هذا لا يجمع مالا ، ولا سيما الأنبياء ، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا . الثالث - أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا نورث ما تركنا صدقة » وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح « نحن معشر الأنبياء لا نورث » وعلى هذا فتعين حمل قوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي على ميراث النبوة . ولهذا قال يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ كقوله : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [ النمل : 16 ] أي في النبوة ، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة . إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل : أن الولد يرث أباه ، فلو لا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها . وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث . ما تركنا فهو صدقة » ا ه محل الغرض من كلام ابن كثير ، ثم ساق بعد هذا طرق الحديث الذي أشرنا له « يرحم اللّه زكريا وما كان عليه من ورثة ماله » الحديث . ثم قال في أسانيده : وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح . واعلم أن لفظ « نحن معاشر الأنبياء » ولفظ « إنا معاشر الأنبياء » مؤداهما واحد ؛ إلا أن « إن » دخلت على « نحن » فأبدلت لفظة « نحن » التي هي المبتدأ بلفظة « نا » الصالحة للنصب ، والجملة هي هي إلا أنها في أحد اللفظين أكدت ؛ « إن » كما لا يخفى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يعني بهذا الولي الولد خاصة دون غيره من الأولياء ؛ بدليل قوله تعالى في القصة نفسها هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا
--> ( 1 ) أخرجه عن قتادة ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 37 ، 38 .