الشنقيطي
159
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن النبي لا يورث » ولكن أعول من كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعوله ، وأنفق على من كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينفق . فهذه الأحاديث وأمثالها ظاهرة في أن الأنبياء لا يورث عنهم المال بل العلم والدين . فإن قيل : هذا مختص به صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن قوله « لا نورث » يعني به نفسه ؛ كما قال عمر رضي اللّه عنه في الحديث الصحيح المشار إليه عنه آنفا : أنشدكم باللّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا نورث ما تركنا صدقة » يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه . فقال الرهط : قد قال ذلك الحديث . ففي هذا الحديث الصحيح أن عمر قال : إن مراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله « لا نورث » نفسه ، وصدقه الجماعة المذكورون في ذلك ، وهذا دليل على الخصوص فلا مانع إذن من كون الموروث عن زكريا في الآية التي نحن بصددها هو المال ؟ فالجواب من أوجه : الأول - أن ظاهر صيغة الجمع شمول جميع الأنبياء ، فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل من كتاب أو سنة . وقول عمر لا يصح تخصيص نص نص من السنة به ؛ لأن النصوص لا يصح تخصيصها بأقوال الصحابة على التحقيق كما هو مقرر في الأصول . الوجه الثاني - أن قول عمر « يريد صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه » لا ينافي شمول الحكم لغيره من الأنبياء ، لاحتمال أن يكون قصده يريد أنه هو صلّى اللّه عليه وسلّم يعني نفسه فإنه لا يورث ، ولم يقل عمر إن اللفظ لم يشمل غيره ، وكونه يعني نفسه لا ينافي أن غيره من الأنبياء لا يورث أيضا . الوجه الثالث - ما جاء من الأحاديث صريحا في عموم عدم الإرث المال في جميع الأنبياء . وسنذكر طرفا من ذلك هنا إن شاء اللّه تعالى . قال ابن حجر في فتح الباري ما نصه « 1 » : وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » فقد أنكره جماعة من الأئمة ، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ « نحن » لكن أخرجه النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بلفظ « إنا معاشر الأنبياء لا نورث . . » الحديث وأخرجه عن محمد بن منصور ، عن ابن عيينة عنه ، وهو كذلك في مسند الحميدي عن ابن عيينة ، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه . وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور . وأخرجه الطبراني في الأوسط بنحو اللفظ المذكور . وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانىء عن فاطمة رضي اللّه عنها ، عن أبي بكر الصديق بلفظ « إن الأنبياء لا يورثون » انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر . وقد رأيت فيه هذه الطرق التي فيها التصريح بعموم الأنبياء . وقد قال ابن حجر : إن إنكار الحديث المذكور غير مسلم إلا بالنسبة لخصوص لفظ « نحن » هذه
--> ( 1 ) كتاب الفرائض حديث 6730 .