الشنقيطي
130
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
عنه . ا ه . فالخضر إن كان نبيا أو وليا فقد دخل في هذا الميثاق ؛ فلو كان حيا في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه ، يؤمن بما أنزل اللّه عليه ، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه ؛ لأنه إن كان وليا فالصديق أفضل منه . وإن كان نبيا فموسى أفضل منه . وقد روى الإمام أحمد في مسنده : حدثنا شريح بن النعمان ، حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد اللّه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « والذي نفسي بيده ، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني » « 1 » وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة . . وقد دلت هذه الآية الكريمة : أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لكانوا كلهم أتباعا له وتحت أوامره ، وفي عموم شرعه . كما أن صلوات اللّه وسلامه عليه لما اجتمع بهم الإسراء رفع فوقهم كلهم ، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر اللّه أن يؤمهم ؛ فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم . فدل على أنه الإمام الأعظم ، والرسول الخاتم المبجل المقدم - صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين . فإذا علم هذا ، وهو معلوم عند كل مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وممن يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك . هذا عيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة ، لا يخرج منها ولا يحيد عنها ، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين ، وخاتم أنبياء بني إسرائيل . والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه - أنه اجتمع برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في يوم واحد ، ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد . وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به ربه عز وجل واستنصره واستفتحه على من كفره : « اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض » « 2 » وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام ؛ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال بأنه أفخر بيت قالته العرب : وببئر بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته ، وأعظم غزواته . قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي : سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .