الشنقيطي

131

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مات ؟ فقال : نعم . قال : وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي قال : وكان يحتج بأنه لو كان حيا لجاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - نقله ابن الجوزي في العجالة . فإن قيل : فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه ؟ فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات . ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء ؟ وظهوره أعظم لأجره ، وأعلى في مرتبته ، وأظهر لمعجزته . ثم لو كان باقيا بعده لكان تبليغه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الأحاديث النبوية ، والآيات القرآنية ، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة ، والروايات المقلوبة ، والآراء البدعية ، والأهواء العصبية ، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم ، وشهوده جمعهم وجماعاتهم ، ونفعه إياهم ، ودفعه الضرر عنهم مما سواهم ، وتسديده العلماء والحكام ، وتقريره الأدلة والأحكام - أفضل مما يقال من كونه في الأمصار ، وجوبه الفيافي والإفطار ، واجتماعه بعباد لا تعرف أحوال كثير منهم ، وجعله كالنقيب المترجم عنهم ؟ ! وهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . انتهى من البداية والنهاية لابن كثير رحمه اللّه تعالى « 1 » . فتحصل أن الأحاديث المرفوعة التي تدل على وجود الخضر حيا باقيا لم يثبت منها شيء . وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته ، كما قدمنا إيضاحه . وممن بين ضعف الأحاديث الدالة على حياة الخضر ، وبقائه - ابن كثير في تاريخه وتفسيره . وبين كثيرا من أوجه ضعفها ابن حجر في الإصابة . وقال ابن كثير في البداية والنهاية « 2 » بعد أن ساق الأحاديث والحكايات الواردة في حياة الخضر : وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم . وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا ، لا تقوم بمثلها حجة في الدين . والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد . وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره ؛ لأنه يجوز عليه الخطأ ( واللّه أعلم ) ، إلى أن قال رحمه اللّه : وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رحمه اللّه في كتابه ( عجلة المنتظر في شرح حالة الخضر ) للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات - فبين أنها موضوعات ، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم . فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها ، وجهالة رجالها ، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد - ا ه منه . واعلم أن جماعة من أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته ؛ فزعموا

--> ( 1 ) البداية والنهاية 1 / 334 ، 335 ، 336 . ( 2 ) البداية والنهاية 1 / 334 .