الشنقيطي

129

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد » فوهل الناس في مقالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة : وإنما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض » يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن « 1 » - انتهى منه بلفظه . وقد بينا وجه دلالته على المراد قريبا . الرابع - أن الخضر لو كان حيا إلى زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لكان من أتباعه ، ولنصره وقاتل معه ، لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن . والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جدا ، كقوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] ، وقوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) [ الفرقان : 1 ] ، وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة « آل عمران » : أنه أخذ على جميع النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به وينصرونه ، وذلك في قوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 82 ) [ آل عمران : 81 - 82 ] . وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما قاله ابن العباس وغيره - فالأمر واضح . وعلى أنها عامة فهو صلّى اللّه عليه وسلّم يدخل في عمومها دخولا أوليا ؛ فلو كان الخضر حيا في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته . ومما يوضح أنه لا يدركه نبي إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد « 2 » وابن أبي شيبة « 3 » والبزار من حديث جابر رضي اللّه عنه : أن عمر رضي اللّه عنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال : « لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به ، أو يباطل فتصدقوا به . والذي نفسي بيده ، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني » ا ه قال ابن حجر في الفتح : ورجاله موثوقون ، إلا أن في مجالد ضعفا . وقال الحافظ ابن كثير رحمه اللّه في تاريخه « 4 » بعد أن ساق آية « آل عمران » المذكورة آنفا مستدلا بها على أن الخضر لو كان حيا لجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونصره - ما نصه : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما بعث اللّه نبينا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره أن يأخذها على أمته الميثاق لئن بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهم أحياء ليؤمنن به وينصرونه « 5 » - ذكره البخاري

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة وفضلها حديث 601 . ( 2 ) المسند 3 / 387 ( 3 ) المصنف ، كتاب الأدب حديث 6472 . ( 4 ) البداية والنهاية 1 / 335 . ( 5 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 3 / 236 ، 237 .